فطام





من أول التجارب و أقساها على النفس في بداية عمر الإنسان هي الفطام ..... تجربة تحدث لنا في بداية حياتنا .. مثل التجارب الكثيرة الأخرى ... لا نتذكرها أبدا في ذلك العمر الصغير .. لكن قد يحكي لنا ذوينا عن ردود أفعالنا تجاهها .. و هو ما قد يدهشنا لتطابقه مع طبيعة شخصيتنا في ما بعد
عندما يكون صدر الأم هو مصدر الغذاء و الحنان و الراحة النفسية نتعلق به طوال اليوم و نبكي من أجله أحيانا من جوع و أحيانا كثيرة كعذر للتنعم بدفء حضن أمهاتنا
تأتي فترة ما و بقرار من الأم تبدأ في منعنا من أول شيء يمثل لنا الحب  اعتدنا عليه في حياتنا ... غالبا ما نثور و نبكي.. أو قد نستسلم و نحزن ... و قد نضرب الأم .. أو نتوسل إليها ببكاء يفطر القلوب.. لكن الأم لا تلين لأن ميعاد الفطام قد حان
..
في الحياة ... للكبار ... فطام آخر... فطام نفسي و معنوي.. صعب على النفس .. لكن تلك المرة صعوبته لا تنسى .. لأننا قد كبرنا و الذاكرة صارت تسجل دون أن تمحي
عندما يكون لنا في الحياة حبيب أو صديق... هو مصدر الرفقة و الحب و الحنان.. و تضطرك الأيام أو الظروف للإبتعاد عنه .. لا عن رغبة منك و لكن على الأغلب لغدره بك
عندها تبكي .. و تشعر بالفراغ ... و قد تظل منتظرا ذلك اليوم الذي ترجع فيه لذلك الشخص .. لكن هذا لا يحدث و تدرك عندها ن ميعاد فطامك قد حان و أنك يجب أن تبحث عن مصدر الحب و الحنان و الراحة النفسية في شخص آخر
و تفعل
........
و كل ما طالت فترة تعلقك بالشخص كل ما صعب فطامك عنه
و في الأغلب أنت أبدا لا تفهم مثل ما لم تفهم عندما كنت رضيعا ... لماذا يفطمونني؟؟.. فقد كنت أنت مرتاحا للوضع و سعيدا به و يتعذر عليك إستيعاب تلك الفكرة البسيطة و هي أن الحياة تضطرنا في كثير من الأحيان إلى التخلي عن ما اعتقدنا أنه أبدي مهما كانت راحتنا و درجة رضانا.. يأتي يوم الفطام الذي كنا غافلين عنه و لم نحسب له يوما حسابا
......
و مما يدعو للسخرية أن أغلب تلك الأشياء التي فطمتنا الأيام عنها و سببت لنا ألما هي أشياء حذرتنا أمهاتنا بصددها
فذلك الصديق الذي كنت تلازمه بالمدرسة و البيت و تعتبره سرك و ملجأك .. لم تحبه أمك أبدا أو ترتح إليه و حذرتك منه مرارا لكنك لم تستمع  حتى أتى ذلك اليوم الذي غدر هو بك .. و خان ثقتك أو ابتعد عنك دون مبرر...عندها تعرف أن أمك كانت تعرف أكثر منك لكنك لم تستمع و لن تستمع
..
و ذلك الحبيب الذي وقعتي في شباك عشقه .. رغم تحذيرات أمك لكي.. و رغم تأكيدها لكي أنه يخدعك و انه غير صادق في مشاعره .. و محاولاتها المستميتة لمنعك عنه و التي بائت جميعها بالفشل أمام حيلتك الواسعة
تمر الأيام و يتبين لكي صدق ظنونها... و تمري بمرحلة الفطام و أنتي تبكين على صدرها
...
و أمثلة أخرى كثيرة تعلمنا تلك الحكمة الخالدة.. الأم دوما تعرف أكثر
....

الفطام .. ما هو إلا أمر مضاد للتعود .. و التعود هو شيء نرتاح نحن البشر لوجوده بحياتنا... ففي العادة بالنسبة لنا ثبات و أمان و تعلق.. لكن لا شيء في الحياة يثبت على حاله... تفطمنا أمهاتنا و نحن صغار و تفطمنا الحياة في كبرنا .... نترك صدر أمهاتنا و حضنها الدافيء للبحث عن الحب و الدفء في أحضان اخرى ... أحضان لا تلبث أن تطردنا في لحظة ما
 ....
في عيد الأم هذا العام كان حولي كثيون يمروا بمرحلة فطام....صديقة تتناسى تجربة فاشلة .. و أخرى تركها حب عمرها ... و صديقة تعرضت لأصعب أنواع الفطام على الإطلاق... أن تضطرها الحياة أن تحرم من أمها منذ كانت رضيعة لا لشيء إلا لقسوة الأم الغير مبررة
تلك الصديقة الجميلة العاقلة الرزينة الصامتة معظم الوقت .. ارقب قوتها من بعد و أعلم سرها... ... فهي لم تعش ذلك الوهم الذي عشناه جميعا ... لم تنعم بصدر أمها ثم تتركه مرغمة ... إنها لم تعرفه على الإطلاق... قسوة الحياة تعلمنا القوة... و أمهات مثل تلك يكون من الصعب العودة إلى أحضانهن و لو بعد سنين ... أم إختارت بكامل إرادتها أن تبتعد عن أبنائها
لكن تلك قصة أخرى
....
في عيد الأم هذا العام لم أرى حولي سوى حالات فطام متكررة لنا نحن الكبار... و شاهدت أصابعنا بأفواهنا نمصها كي نعوض ما فقدنا
...
في عيد الأم هذا العام كتبت في مذكرتي جملة واحدة
" الفطام ليس سهلا ... أحتاج وقتا لإعتياده"
....
كل عام و أنتم بخير

Comments

رشا said…
الحب والموت هما اللغزان الاكبر فى هذه الحياة فنحن حقا لا ندرى لماذا احببنا هذا الشخص دون اخر ولماذا نموت اليوم دون اخر لماذا هنا ولماذا الان ولماذا نحن دون غيرنا ؟؟
صعب الفطام من شخص كنا يوما نعيش بتوقيته هو لا غير
من زمان وانا باجى هنا وموش برد ولابتكلم بس بوست النهارده جاى على نفس امرحله اللى انا فيها

بجد يادكتوره دايما بتكتبى حاجات سهله وكنها ممتنعه
يعنى كنا نعرف الفطام وكلنا بنمر بيه كتير اوى كن ولامره ناس كتير عرفوا يفسروه او يوضحوه كده زيك
تسلم افكارك
Barracuda said…
الفطام مرادف للتغيير الذي هو السنة الوحيدة التي لا تتغير في هذا الكون !... نعم التغيير الذي يجبرنا على الفطام القسري أو الذاتي في كل يوم من الأيام .. عن عادة .. شخص.. مكان .. فكرة.. أسلوب.. حب... كل شيء يفرض فطامه بعد فترة من الزمن

تحياتي العطرة
hamma said…
الفطام صعب نعم ولكنه ضروري
بدونه تتحول الحالة الى التواكل
و هذا ما يحدث و سبب كوارث العرب
sabry abo-omar said…
الفطام موضوع صعب وفيه مواضيع كتيرة تجمع نفس المعنى ..الفطام فى المسئولية والفطام فى الحب والفطام فى تكوين الرأى والشخصية.. بس المهم دايما امتى العاد الصح والخطوات اللازمة بمراحلها للفطام..هل انتى شايفة مثلا اننا نقدر نتفطم عن السيطرة على دماغنا هل احنا بقدر الحرية ان نمتلكها .. هل نستطيع هذا.... أحييكى على موضوعك وكلماتك

Popular Posts