كن جميلا



السينما .. هي صناعة الحكاية .. الصناعة المرئية و السمعية للحكاية
و قبل السينما كان الراديو كصناعة سمعية فقط
و قبل الراديو .. كان الرواة .. هم صانعي الحكاية
سواء على الربابة .. أو بالمسرح .. أو ببساطة في حكايات جدتي و جدتك
في الحكاية .. يجب أن يكون الشاطر حسن .. جميلا ... وسيما .. كأمير كامل الصفات على فرس أبيض
و ست الحسن و الجمال .. سماتها باسمها
فتاة كأجمل ما يمكن أن يصور لك خيالك.. لكن الحكايات في زماننا هذا صارت صناعة مرئية و سمعية كما قلنا قبلا .. لا مجرد محفز للخيال .. الآن صارت ست الحسن و الجمال ... جسدا يخطر أمامنا في الشاشة .. يتنهد و يبتسم و يقبل
و الشاطر حسن .. صار حلم العذروات و غير العذروات .. و صارت السينما صناعة الجمال
و هي في هذا توافق طبيعة بشرية قديمة .. فكلنا نحب الجمال .. و لك منا ذوقه الخاص بالجنس الآخر .. و لكل منا تصوره الخاص عن معنى الجاذبية .. و لاختلاف أذواقنا ميزة .. تجعل  لكل جميل مريديه






لكن هذا رسخ تلك الفكرة القديمة الخاطئة .. تلك الفكرة القديمة التي تجعلنا نحكم على كل شيء بالمظهر لا الجوهر .. في حكاياتنا و أساطيرنا كبشر الجمال مقترن .. بالنجاح و الحب و السعادة ... و في خيالنا .. هذا الجميل سيمتعنا أكثر في الحب بكل أوجهه
لأن هذا هو ما نظنه
هذا هو ما ترسخ في أذهان أجدادنا و ورثناه بجينات تلافيف أمخاخنا و سنورثه لأحفاد أحفادنا
لذا  نحكم على الشخص  في البداية بمظهره .. هذا هو أول حكم لنا .. حكم عيوننا .. و نحن نحاكم الآخر ضمنيا على شكله و كأن شكله و ملامحه و جسده شيء كان بيده هو .. و مهما كتبنا من كلام فلسفي طويل عن أهمية الجوهر و تفاهة المظهر .. و جمال الروح.. لن تنكر كلماتنا و لا مواعظنا البسيطة التأثير .. حقيقة أن العين هي دوما أول حكم على الأشياء
و لذا تجدنا نتعجب كثيرا .. عندما نجد رجل جميل مع امرأة ليست بجميلة .. و العكس
إن هؤلاء الذين لم ينعم عليهم القدر بالجمال .. مطردون من تصورنا عن الأهلية
رغم أن كلنا نخطئ ذلك الخطأ و كثيرون منا يدركوه في مرحلة ما بحياتهم .. عندما تتخطى علاقتهم بالآخر الانبهار بالمظهر و تصل لعمق الجوهر لتفاجئ بما لم تحسب حسابه
قد يفاجئك حقيقة أن هذا الجميل من وجهة نظرك .. قبيح المعشر .. أو الخصال .. تكتشف أنك غير مرتاح معه .. رغم أنك لم تتصور أبدا أنك لن تكون سعيدا معه
إننا نقرن دوما الجمال بالصفات عندما نتحدث عن شخص ما
رغم أنه ليس بصفة .. هو ليس كالطيبة و لا الذكاء و لا العطاء
هو مجرد هبة قدرية لا دخل لنا فيها .. و لا مغير لها
لكن عالم الميديا يحاول جاهدا .. صناعة الجمال و تصديره و تغييره و كل الأمور تدور حوله



في عالم الإعلانات و الدعاية .. في الأفلام و المسلسلات و الأغاني ... و مسابقات الجمال و كل ما يتعلق بهؤلاء الذين يعيشون تحت الكاميرات ... الجمال هو المحرك و صار الهوس بالحصول عليه .. أمر حتمي .. بعمليات التجميل الدائمة .. و كل ما عداها من وسائل .. تجعلك دوما جميلا و مضيئا و مبهرا
لكن في الحياة العادية ... الأمور لا تتطلب كل هذا الجهد .. و حولنا من نرى بهم الجمال حقا دون مجهود و رتوش الصناعة ... لكن حالهم بالحياة عكس حالهم بالحكايات في كثير من الأحيان
أنا دوما أردد مثل ما .. و هو تحوير لمثل حقيقي
قيراط حظ و لا فدان حلاوة
الجمال .. لا يجعلك أسعد حالا .. و لا أكثر نجاحا .. و هناك أمثلة كثيرة جدا .. لفتيات جميلات .. عانسات و مطلقات و غير سعيدات
و أمثلة كثيرة جدا لشباب وسيمين للغاية و أقل نجاحا و سعادة من غيرهم
الجمال هو تلك الخدعة التي نكتشفها بعد فوات الأوان
 قد نكتشفها عندما نقابل روحا ما .. تفعل بنا ما لم يفعله غيرها
و نتمنى تلك الروح اكثر من أي شيء آخر .. و غالبا ما تكون تلك الروح بجسد و شكل .. لم و لن يلفت نظرنا
و قد نكتشفها .. عندما نرى ما تحت الجمال من دهاء أو مكر أو خديعة
و قد نكتشفها .. عندما يمر بنا العمر و يذوى جمالنا .. و يبقى لنا ما نتصف به حقا
لكننا في كل الحالات نكتشفها بعد مرور الوقت
و يظل لكل منا ذوقه الخاص بالجمال .. ذوقه الخاص الذي يثيره و يحركه و يعتبره أيقونة رغبته

 


يحضرني هنا مثال لدعاية ذكية قامت بها شركة دوف .. تعد السابقة من نوعها و تقوم على تلك الفكرة التي يتحدث عنها المقال
حيث قررت الشركة أن تستبدل الموديلات الشهيرات بإعلاناتها .. بنساء عاديات .. أجسادهم مثل أجساد كل النساء .. عادية
لا الخصر نحيل  و الأرداف متناسقة .... نساء لم تختارهم وكالات الإعلام بالقياسات
نساء مثل كل النساء
و أسمت دوف حملة الدعاية تلك

اعتبارا أن الجمال الحقيقي هو الجمال الطبيعي
هو الجمال الكامن في كل منا حتى و إن لم نكن الشاطر حسن و ست الحسن و الجمال
تلك الحملة نجحت .. رغم كونها تكسر كل قواعد الميديا و التسويق المعروفة
لكنها تظل محاولة واحدة
واحدة فقط ضد التيار .. مثل ذلك المقال و كل كلمة تكتب بهذا الصدد .. لكن يظل التيار أقوى .. مثل تلك الصور التي أدرجتها بالمقال .. اقوى من كلماتي تلك .. فالصورة أحيانا كثيرة تكون أقوى من الكلمة.. لذا كان فن صناعة الحكاية مرئيا أقوى من كل شيء 


Comments

راجى said…
This comment has been removed by the author.
راجى said…
beauty is in the eyes of the beholder
هذا قول قديم يعزى جمال الاشياء الى الناظر اليها وليس الى خاصية تميزها وان كان اتفاق الناس على حد معين من الجمال يدحض هذه المقولة
والان يا سيدتى مقاييس الجمال قد اختلفت عن ذى قبل بالنسبة للنساء على الاقل فكان قديما تمثال افروديت الذى يصور امرأة بدينة هو نموذج الجمال وقيل ان الجمال الحقيقى للجسد الانسانى ما كان يساعد المرء على انجاز وظيفته مثل الحوض المتسع للنساء والصدر الكبير الذى يعنى ان تلك المرأة صالحة للامومة
والان نرى نماذج للرجال كما اوردتى فى مقالك هذا بذقون غير حليقة واجساد ضعيفة بخلاف ما كان متعارف عليه من عضلات الرجل التى تبرز فحولته
farida said…
راجي
أعرف هذا القول
و أجد فيه إختصارا لما عنيت في مقالي

تتغير مقاييس الجمال .. لكن لا يتغير الاهتمام بالجمال ذاته

و يظل الجمال الداخلي هو الأبقى
تحياتي لك و شكري
كلنا يعرف حقيقة أن الجمال الداخلي هو الأكثر بقاء وتأثيرا وسحرا

لكننا مع كل ذلك لا يمكننا أن ننكر أن الجمال الظاهري ذو تأثير كبير قد يضللنا عن الحقيقة ويجعلنا نغفل عن التحقق من الجمال الداخلي

تلك هي طبيعة الأشياء ولا ذنب لأحد في ذلك
engy said…
الجمال الداخلى هو ما يعطى للجمال الخارجى قيمته ولكننى اخشى اننا بشر احيانا نضعف فنضل عن الحقيقه
farida said…
أحمد القاضي

نعم
لاذنب لأحدنا
فكذا سنظل دائما
farida said…
انجي

نعم الجمال الداخلي و الخالرجي كلاهما يرتبط بصورة ما
و لكننا كبشر اعطانا الله العقل

لكننا نغفله من اجل رغباتنا

تحياتي لك
و نورتيني

Popular Posts