الكراسي الموسيقية



ونحن صغار كنا نلعب لعبة تدعى " لعبة الكراسي الموسيقية " ندور حول كراسي أقل من عددنا واحدا أثناء تشغيل الموسيقى و بمجرد توقف الموسيقى نجلس و من لا يدرك كرسيا يخرج من اللعبة
الكراسي في مصر لم تكن أبدا موسيقية .. لم يدر حولها أحد .. كانت دوما ثابتة لمن يعتليها .. كنا نسخر من أن كل من في مصر يحتل منصبا يظل فيه سنوات طوال .. و نقول تعبير " أن اللي يقعد على كرسي بيلزق فيه " و نذكر مزحة الفنان الكوميدي محمد صبحي الشهيرة في مسرحية الهمجي عندما يقول لزوجته عندما ينحشر في الكرسي
" تبقي فكريني يا حورية نشتري كراسي تيفال "
كلنا كنا نريد و لو كرسي واحد تيفال للمسئولين و الوزراء و الرئيس .. كي لا تمضي العقود و لا تمضي الوجوه الثابتة
الثورة .. كانت من اجل إسقاط النظام .. الرئيس الذي ظل يحكم ثلاثين عاما و النظام الذي ضرب فيه الفساد حتى النخاع .. كمرض السرطان عندما يستشري و يصيب كل شيء .. و لا يفلح فيه استئصالا فيكون الموت هو النتيجة الحتمية
كان لا بد من تنحية النظام بجسده الفاسد جانبا و ضربه في مقتل بإطاحة الرأس
و هذا ما حدث .. و في أثناء ما كان الشعب بالتحرير يموت من يموت منهم .. و تخرج عليهم جِمال في مشهد لن ينساه التاريخ و بلطجية يضربونهم بالمولوتوف .. كان " أحمد شفيق" بكرسي رئاسة الوزراء .. في عز ازمة مصر قبل تنحي الرئيس .. لم يستطع أن يمنع العنف الممارس ضد المتظاهرين و لا خرج  ليعتذر لهؤلاء البشر .. المصريون المسئول سيادته عن وزاراتهم
من أجل هذا و كرد فعل طبيعي و منطقي لهؤلاء البشر الذين لم يحترمهم رئيس الوزراء .. و أعطاهم انطباع أكيد انه لم يأت في هذا الوقت الحرج للغاية في تاريخ مصر من أجل مصر أو الشعب .. لا على العكس أتى من أجل إخماد الثورة .. و كان فعله هو الدال على هذا طريقة تعامله مع الموقف الخطير و تصريحاته المائعة الغير متناسبة مع الموقف و حرجه
فبالتالي صار المطلب هو إسقاط الرئيس و حكومة شفيق .. لذا هؤلاء الذين اعتقدوا أن في هذا المطلب ارتفاع لسقف المطالب كما اتهم الجميع من كان في التحرير كان اعتقادهم عاري من الصحة
و على الرغم من هذا لم يقال شفيق و ظل على كرسي رئاسة الوزراء بعد إقالة الرئيس.. و ظلت الأصوات الغاضبة تصر على إقالته بينما ارتفعت أصوات أخرى تطالب بالهدوء و إعطاء فرصة للرجل كي يعمل
و في وقت الأحداث فيه تتلاحق بسرعة التفكير .. لا يوجد مجال للاحتمالات بمعنى أنه إما تكون قدر الموقف الحرج للغاية أو لا .. في هذا الوقت من تاريخ مصر لا يوجد أي مجال .. للأعذار ..
شاهدت كما شاهدتم جميعا يوم 2 مارس ليلا ذلك اللقاء الذي خرج فيه رئيس الوزراء في ندوة نقاش على الهواء مباشرة على قناة
ON TV
جاء هذا اللقاء بعد حدثين غاية في الخطورة على الأمن الداخلي و الخارجي لمصر
أولهما  اتفاقية دول حوض النيل التي غابت فيها مصر عن الحضور
و ثانيهما سرقة الآثار من مخازن الأهرام بواسطة بلطجية
في نفس ذات اليوم يخرج رئيس وزراء مصر على المصريين و لا يستطيع لسببا أو لآخر أن يبدو بمقدار الحسم اللازم للموقف و لما يحدث بالفعل
و هنا تنقسم الناس ثانية .. بعضهم يلتمس الأعذار لشفيق و الآخرين يستفزهم ما حدث .. أثناء لقاء " شفيق" و على تويتر بلغ الغليان مداه .. فلقد رأوا في موقف " شفيق وردوده تخاذلا غير مقبولا
انطلاقا من اعتقادهم أن تلك هي مهمة رئيس الوزراء .. فهو المسئول عن كل وزارات مصر .. بما فيهم وزارة الداخلية .. و الأمن في البلاد يكاد يكون منعدم و تلك أزمة قصوى يجب اتخاذ إجراءات حاسمة وسريعة تجاهها
فإجابات من منطلق .. لا أعرف .. و الظباط خايفين ينزلوا ... وده فوق سلطتي
بدت لكثيرين إجابات غير مقبولة بتاتا و لا تتناسب مع خطورة الموقف و مهام منصبه
و استقال شفيق في يوم الثالث من مارس لعام 2011
و هنا نعود للكرسي .. المنصب .. اعتدنا لعقود أن جلوس الشخص على المنصب أمر لابد منه حتى و إن لم يؤدي المهام التي يتطلبها جلوسه على ذلك الكرسي كما ينبغي
حتى صارت تلك هي القاعدة .. و الشاذ هو ما يحدث الآن .. الشاذ هو أن نغير على الكرسي الواحد اكثر من شخص
يرى البعض في هذا عدم استقرار حيث أن لعبة الكراسي الموسيقية تلك لا تعطي المسؤول الوقت اللازم لأداء مهام منصبه
و هذا صحيح بالفعل .. و قطعا لن يكون الحل في مصر دوما هو الإقالة .. لأن الإقالة ليست بحل .. إن الحل المنطقي هو المحاسبة .. إن كرسي المنصب ليس بلعبة .. و جلوس الفرد عليه مسئولية يجب أن يدفع ثمن تقاعسه عنها و إقالته ليست بعقاب .. و خصوصا في المرحلة الحالية حيث أنها مرحلة انتقالية و أي مسئول يأتي فيها يعرف جيدا أنه مجرد وقت .. يختلف الأمر عن ذي قبل عندما كان الكرسي مكسب لأنه يضمن امتيازات لوقت طويل من الزمن
يجب أن يتغير فكرنا .. و يجب أن يسود القانون كل شيء .. اعتدنا لسنوات أن لا أحد يحاسب على ما يفعل و من هذا المنطلق عاثوا في مصر إفسادا سنوات طويلة جدا و بشكل فاحش و بدون أي خوف أو وجل
اليوم الوضع تغير .. لكن تغيره يجب أن يسير في اتجاه سيادة القانون .. لا الدوران حول الكراسي كما اللعب
قطعا المرحلة الراهنة لا تحتمل الانتظار .. و قطعا شفيق رغم مميزاته .. بدا أضعف من الموقف .. و ربما هو أتى في وقت اكبر من قدراته .. و ربما في وقت آخر كان من الممكن أن يكون اكثر نفعا
كل تلك افتراضات ووجهات نظر نسبية .. و مصر في تلك الأيام.. لا تحتمل أي فرض أو أي نسبية .. ففي غفلة من الوقت أهملت الخارجية و تمت اتفاقية النيل .. و أهملت و مازالت تهمل وزارة الداخلية فتم سرقة آثار ..و نهب مواطنون و عدم أمان
و هذا يقودنا للحديث عن موضوع الأمن
لكن هذا مقال آخر

Comments

Popular Posts