الثورة المصرية بعدسة إيرانية

 مقال يستحق القراءة به رؤية مختلفة للأحداث
نقلته مدونة عزة  مغازي 
المسماة 
لها مني كل تحية فالنظرة للأمور من هذا المنظور تستحق المعرفة

 
 الثورة المصرية بعدسة إيرانية
 
منذ بدا تدفق الحشود على ميدان التحرير ، بدأت انا فى التحدث الى شاشة تلفازى فى غرفة المعيشة. (اخفض هذه اليد) هتفت بها عندما رأيت القبضة المرفوعة لاحد البلطجية المؤيدين لمبارك قبل أيام... يوم الجمعة، وبينما كنت اشاهد الالعاب النارية فى سماء القاهرة وجدت نفسى اتمتم فى حسد "كيف لم نقم بهذا؟"، نحن الشباب الايرانيين الذين تدفقوا الى ميدان التحرير الايرانى (ساحة ازادى) فى اليوم ذاته (الحادى عشر من فبراير) منذ اثنين وثلاثين عاما. كنت فى الثانية عشرة وقتها،ولكن احداث هذا العام تبقى ماثلة فى معضلتى الوجودية كأكثر الصدمات المؤثرة فى حياتى.
 
 
المراقبون الآن يطلقون على الثورة الايرانية التى وقعت فى العام 1979 الثورة الاسلامية،  ولكن فى هذا الوقت كان الاسلاميون والعلمانيون، القرويون وابناء الحضر،المتعلمون والاميون، كلهم يسيرون بغضب عارم لا تتفاوت درجاته بينهم فى شوارع ايران مطالبين بعزل الشاه. كان مستقبل ايران مجهولا تماما كما مستقبل مصر الآن.

هناك ربط قوى يستدعى المقارنة بين مصر وايران خاصة اذا ما رأينا الى اين تتجه عقارب الزمن فى مصر. أإلى العام 1979 ام الى العام 2009 حين انطلقت الحركة الخضراء فى شوارع طهران. واحدة من التعليقات الغزيرة على كتبت على حائطى يوم الجمعة (جمعة تنحى مبارك) فى فيس بوك تقول :"فعلها المصريون فى ثمانية عشرة يوما وستفعلها ايران فى اسبوع".

مصر ليست ايران. ليست الامتين متشابهتين ولا يتشابه تاريخيهما كذلك، بغض النظر عن كل ما هو مشترك بينهما. وعن قدرتيهما على التفاعل. ولكن الحركات الساعية الى ذات الاهداف السياسية تتبادل الدروس باستمرار خلال صراعهما لنقل الخبرات والمعرفة لرفاق الكفاح لتفادى المنزلقات ولتحقيق التغيير على طريقتهم الخاصة ، مع كون فرص عودة الطغاة قوية فى الغالب.

القوى الديموقراطية اليوم فى مصر عليها ان تنتبه للأخطاء التى وقع فيها نظرائهم فى الثورة الايرانية عام 1979 . خاصة وان هذه الاخطاء لم تكن نابعة من الحقد السياسى او الجهل ولكن من صدق النوايا. خاصة وان التأثير الشيطانى لهذه الاخطاء لم يكشف عن نفسه الا بعد انحسار نشوة الانتصار وتراجع الجماهير عن الميدان لتستكمل حياتها مرة أخرى.

اتت الكبوة الاولى للحركة العلمانية الايرانية جاءت فى عام 1978 عندما قاموا بغفلة شديدة بالترحيب بفكرة الاتحاد مع المعارضة الدينية ، التى كانت وقتها خاضعة ومأمونة الجانب من قبل هؤلاء العلمانيين. عندما قال المنفى آية الله الخمينى وقتها انه ليس لديه أى طموح سياسى، وانه عند رحيل الشاه فان امنيته الوحيدة ان يحتمى  بالقرآن ويتدارسه فى مجلس علم بمدينة (قم)، وقد صدقه الكل وقتها. عندما ندد بانتهاكات حقوق الانسان فى سجون الشاه، اسماه المثقفون بغاندى الايرانى المصنوع محليا. وعندما تحدث عن المساواة بين الجنسين وحقوق المرأة  حيوه دون تردد وكأنه بيتى فريدان
Betty Friedan . قبل الصعود للسلطة كانت المعارضة الدينية للشاه والتى يقودها آية الله تقول للايرانيين ما يودون سماعه وقد صدق الايرانيون كل ما سمعوه.

كانت هناك قلة ذكية بما يكفى كى لا تصدق آية الله. الا ان هذه القلة وقعت فى الخطأ الذى يقع فيه الاضكياء عادة: اساءوا تقدير ذكاء الآخرين. كانوا واثقين انهم ابرع من اية الله . فهم المتعلمون بالغرب، المتأنقين من قادة العلمانية الذين ظنوا انهم افضل كثيرا من ان يفوقهم رجال الدين المحليين الذين يرتدون الملابس التقليدية.
هم لم يدركوا كذلك ان الابقاء على حركة الثورة سلمية وغير عنيفة كان ضارا بمصداقيتهم ومهددا لبقاء اتصالهم بالحركة نفسها. فبمجرد ان فتح الجيش النار على الناس ووقع اول الضحايا استطاع الدينيون تحييد الحركة وسرقتها لصالحهم. فالعلمانيون لم يكن لديهم خطة موضوعية للانتقام او الرد السياسى فى ضوء هجوم الجيش. 
ولكن اراقة الدماء كانت اشارة الدخول للقوى الدينية كى تعتلى خشبة المسرح وتتحرك نحو مركز الضوء. عندما جاء الموت كان لدى الدينيون معجم متكامل وميراث من الطقوس الصالحة للتعامل معه مكنتهم من اتخاذ موقع متوازن من زملائهم العلمانيين. فالموت وما يرتبط به من مفاهيم تم استغلالها وخاصة مفهوم الشهادة كان هو طعام رجال الدين الذى يقتاتون عليه ويستمدون منه رحيق الحياة.

ومع مرور الوقت، ظهر ان اسهل جزء فى الثورة هو ما تصورته القوى الثورية هو الجزء الاصعب واعنى بذلك اسقاط الشاه. اما تحديد اتجاه المستقبل فكان هو المهمة الاصعب لكل هؤلاء الذين قضوا عقودا يحلمون بازاحة الشاه دون ان تكون لديهم خطة واضحة لما بعد الرحيل. مع انتصار الثورة فقدت الحركة المدفوعة بالفرحة والسعادة اتجاهها. غمرهم الطموح وصاروا ماخوذين بالغطرسة العولمية. الحرية للايرانيين والتوظيف والتعليم للشباب وتطبيق الحريات المدنية ، كل هذا لم يعد كافيا فالوحوش السوداء الممثلة فى العم سام الشرير وطفله اللقيط  (اسرائيل) كان عليهما ايضا ان يتم نزعهما من جذورهما. بمجرد ان وجه الايرانيون انتباههم من القضايا المحلية الملحة الى الاتجاه الدولى منحوا القوة للتيار الدينى مجددا. وخلال اشهر قليلة من سقوط الشاه قامت العراق بمهاجمة ايران وجر اية الله الامة الى عقد من الدمار بسبب نظريته الرامية الى ان اسرع وسيلة لابادة اكبر شرين بالعالم (امريكا واسرائيل) هو غزو بغداد  ف الطريق الى القدس. طهران وسكانها ليسوا كافين لاجندة اية الله.

سمح الايرانيون لانفسهم بأن يتم تضليلهم. قادهم النظام الى سلسلة من التنازلات من خلال تغذية مخاوفهم من عودة الشاه. او تنظيم انقلاب من قبل مناصريه داخل الجيش. وبدلا من ان يتمسكوا بالقضايا التى تهمهم وتشكل عماد ثورتهم بالفعل وجد الايرانيون انفسهم يساومون وينتظرون تحقق وعود تتسم بالمماطلة وبكونها مؤقتة خوفا من عودة حكم اسرة الشاه. طلب من النساء تاجيل مطالباتهم بالمساواة فى الحقوق. فى عام 1979 تم الاستيلاء على السفارة الامريكية وهو ما عده اية الله نصرا عظيما واحتفل به كيوم يحتل فى عظمته الترتيب الثانى بعد يوم ثورته (11 فبراير) .. طبعا ثورته ، فالاستيلاء على السفارة الامريكية اعطى المتشددين الاسلاميين الذخيرة التى يحتاجونها لاستكمال مصادرتهم للحقوق المدنية الوليدة التى كسبها الايرانيون بصعوبة من خلال تسويق مساحة جديدة من الخوف: لا احد يدرى الان كيف سينتقم الامريكيين من ايران بعد ما حدث.

فى النهاية اثبت الاسلاميون انهم اذكى بكثير من ان يفوقهم العلمانيون براعة. هم لم يطالبوا بالسلطة حتى استحوذوا عليها كليا- من خلال سعى غذته الدماء التى اريقت والطموحات المتجاوزة للحدود الموضوعة. دعونا نأمل ان يكون الجيل الجديد الذى قام بالثورة فى مصر اكثر حذرا فى رؤية انتصاره كما كانوا فى تحقيق هذا الانتصار

كاتبة المقال: روية حقاقيان – صاحبة كتاب رحلة من ارض (لا): فتاة يافعة فى الثورةالايرانية ( كراون 2004 crown)

نشر المقال بصحيفة التايم  فى الثالث عشر من فبراير الماضى بعد يومين فقط من تنحى مبارك وتولى الجيش زمام الامور وانسحاب الثوار من ميدان التحرير

رابط المدونة
http://azza-moghazy.blogspot.com/2011/03/blog-post_21.html

Comments

Popular Posts