بين إباحية الحس و حس الإباحية


ليست بصدفة أن كل فيلم يعجبني و تذهلني لغته يكون مبني على رواية أو كتاب
هذا الفيلم إنتاج 2008 .. اسمه
Elegy
بمعني المرثية أو المقطوعة الموسيقية التأملية.

الفيلم مبني على قصة لروائي أمريكي  يدعى "فيليب روث",روايته الأشهر هي
Goodbye, Columbus
 و حائز على عدة جوائز ادبية اهمها جائزة بولتيزر للابداع الأدبي.


 الرواية المقتبس منها الفيلم تدعى "الحيوان المحتضر" و هي واحدة من ثلاث روايات كتبها فيليب عن شخصية واحدة هي "ديفيد كيبيش" أستاذ الأدب الذي يواجه في تلك الرواية الثالثة عمره الذي كبر و حبه لإحدى طالباته التي تصغره بأكثر من ثلاثين عاما.

يبدأ الفيلم بالبطل و هو يقتبس عبارة تولستوي التي تقول
أن أكبر مفاجأة للمرء بعمره هي الشيخوخة " التقدم بالعمر" حيث تتسلل إليه دون أن يدري.

" ديفيد" الذي يواجه علاقة مضطربة مع ابنه الوحيد لأنه انفصل عن أمه منذ سنوات طويلة و الذي عاش حياته محاولا ألا يلتزم بأي شيء متنقلا من علاقة إلى أخرى .. و الثوابت الوحيدة في حياته صداقته مع شاعر حائز على جائزة بولتيزر يدعى جورج أوهاريون.

الثابت الآخر هو علاقة لا يوجد بها أي ارتباط أو التزام فقط إشباع جسدي من حين لآخر مع " كارولين " التي كانت منذ عشرين عاما تلميذته هي الأخرى.

يجد " ديفيد" نفسه واقعا للحب ربما لأول مرة بعمره و هو بعمر كبير و مع فتاة تصغره بما يزيد عن الثلاثين و رغم حبها له و تأكيدها لهذا الحب تظل عدم ثقته في ذاته أولا و مواجهته لكل عيوبه الداخلية هي العامل الأساسي الذي يعوقه على إنجاح تلك العلاقة.


الفيلم منساب بطريقة هادئة و ناعمة للغاية .. تظهر فيه جليا لمسة المرأة المتمثلة في مخرجته الأسبانية إيزابيل كوكست.

هذا هو الفيلم الأول الذي أشاهده لإيزابيل لكن استمتعت للغاية بالكادرات و اللقطات الرمزية الهادئة .. إحداها كانت عندما صار ديفيد وحيدا و هو يعزف البيانو ثم يتطلع من وراء زجاج نافذته لتلك العجوز الوحيدة الواقفة وحدها بالشباك.

موسيقى الفيلم غاية في الإبداع

ما جذبني للفيلم هو أنه بالرغم من كونه مبني على رواية حسية للغاية و الفيلم نفسه به الكثير من الحسية و مناقشة العلاقات الحميمية .. إلا أن الفيلم في الأساس يتحدث عن العلاقات الإنسانية من الجانب العاطفي و الروحي و يصف هذا بشكل بسيط و بدون استفاضة مبالغ فيها في شرح ما لا يجب أن يشرح قدر ما يجب أن يحس.

إن الفيلم الذي يناقش العلاقات بهذا الشكل و ذلك المنظور يبدو لكثيرين إباحي لكنه في واقع الأمر باح بالحس الخفي أكثر منه الحس الملموس كما يبدو , ففي النهاية هوس ديفيد بجسد حبيبته كان مغزاه إيصال فكرة ما عندما فقدت هي الجزء الذي أحبه على الأكثر.


عندما تقول له "اليوم اشعر أني اكبر منك"
و" كيف كنت نائمة طوال تلك السنوات!"

في النهاية تكتشف أن كلا من الشيخوخة و المرض يجعلانا ندرك مدى حمقنا و توهمنا للسيطرة على حياتنا بينما نحن بيدي القدر و نغفل في  خضم صراعنا مع المجتمع  و مع ذواتنا التي نحتار بصددها التركيز على ما هو أهم.

 فيلم يتحدث عن الصداقة و الحب و النضج و المفارقة التي تكتشفها أن الطالبة التي أحبها ديفيد كانت اكثر نضجا منه في علاقتها به و أكثر جرأة و صدقا مع الذات بينما هو لم يكن رغم عمره و ووضعه الثقافي و الاجتماعي ناضجا بما يكفي للتعامل مع هذا الحب.

و ذلك الجانب تحديدا حقيقة قد تلمسها في حكايات الكثيرين .. إننا لا نكتسب العمق و النضج الكافي بالخبرة و لا الثقافة و لا تحدي المجتمع بالحياة الحرة المتحررة من كل قيد.

إن العمق يكمن بداخلنا .. كلما كنا أكثر صدقا مع الذات و مواجهة لها..كلما أخذنا من الكبر الذي وصفه تولستوي بالمفاجاة حكمته لا تجاعيده فقط.

" المهم أن تنضج لا أن تكبر" هكذا يخبره جورج و " كم عشنا كمراهقين طوال عمرنا" هذا ما يقوله ديفيد ل كارولين

" النساء الجميلات غير مرئيات "

 تلك كانت نظرية جورج صديق ديفيد

لكن الفاتنة "بينولوبي كروز" استطاعت المخرجة ايزابيل جعلها مرئية كما رأتها عيون ديفيد الذي قام بدوره الممثل "بن كنجسلي".

لذلك الممثل المتمكن أدوار عدة متميزة أبرزها في رأيي تمثيله لحياة غاندي في الفيلم " غاندي"
المشهد الذي أراه أبرز مقدرته التمثيلية و الذي يعد بالنسبة لي ماستر سين هو عندما عاد إلى بيته ليجد مكالمة مسجلة منها بعد غياب و انهياره و بكاؤه و خوفه مما قد تحتويه تلك المكالمة من إشارات لما يخشى.

في تلك اللحظة التي تخلي فيها ديفيد بطل الرواية عن التماسك المزعوم و خرجت مشاعره فياضة لأول مرة  .

الفيلم يستحق المشاهدة
استمتعت به و انوي اقتناء الرواية.
..............................................

روابط ذات صلة :
رواية الحيوان المحتضر


Comments

مياسي said…
غريب
ما حبيتو كتير مع اني فهمت جزئيا الفكره
بس كتير مليت منو
Farida said…
لأنه هادي كتير
مونولوج طويل لديفيد مع نفسه
بس الحوار بسيط

و الأحداث مفيهاش تصاعد

بس بالنسبة لي جمال الفكرة و احترافية توصيلها
أغنتني
و جعلتني أجلس حتى النهاية لأعرف الحكاية

تحيتي لك
شجعنى ما كتبت لرؤية الفيلم
فأنا أحب الأفلام المقتبسة من كتب بشرط أن أراها قبل أن أقرأ الكتاب و ليس العكس
و أيضا أحب الأفلام القائمة على صراع الشخصيات الداخلى و مونولوجاتها مع نفسها
شاهدت لنفس المخرجة
Isabel Coixet
فيلم
my life without me
و هو فيلم رائع أرشحه لك و حاز على عدد من الجوائز و لكنه حزين للغاية
Farida said…
شهرزاد

الصدفة اللطيفة اني بحثت عن افلام المخرجة و اخترت هذا الفيلم تحديدا للتحميل رغم اني لم أقرأ عنه قبلا
حمستيني أكثر لمشاهدته

هي لغتها منسابة و هادئة
و الحزن احد ظلالها
لكن بصراحة لغتها السينمائية اعجبتني

و كل شيء يعود لمعيار الذوق

تحيتي لك
أتمنى أن تكوني بخير

أعجبتني مدونتك
و علقت على ما استطعت
hanan khorshid said…
الفيلم فعلا حلو اوى انا شفته
الحيرة كانت واضحة جدا على ملامح ديفيد طول الفيلم
ومحاولة التششبث بالعمر
بس دى اول مرة اعرف انه مقتبسمن روايبة
ان شاء الله اقراه
Farida said…
حنان
انا كمان عجبني فعلا

اتمنى نلاقي الرواية

تحياتي

Popular Posts