عن الرب

عن الرب
                                   

هو الأول و الآخر هو الظاهر و الباطن " اسماء الله الحسنى – في الإسلام"


(1)
كفه الصغيرة مرتاحة بكفها و هما يعبران الطريق .. بين فارق طولها و طوله عشر سنوات عمر تُشعره معها بالأمان و تُشعرها نحوه بالمسئولية .
          كان يــُضحكها بتعليقاته الطفولية المازحة عندما نظرت له للحظة بإعجاب غافلة عن الطريق .. أفاقها صوت بوق السيارة العالي .. و في لحظات قصيرة إرتبكت و أنقذها من التصادم فرملة السائق باللحظة الأخيرة الذي صاح على موبخا.
          إحتضنت شقيقها الوجل معتذرة و هما على الرصيف المقابل يسألنها أحد المارة " انتم بخير يا بنتي ؟" تجيبه و دموعها بعينيها إثر الإنفعال " ربنا ستر"
ينظر لها هو بعيونه الطفولية الواسعة ويسألها بحيرة الطفل ذو الخمس سنوات " أبله فين ربنا ؟" .. تبتتسم و هي تحتضنه من جديد لتربت عليه بحنان ثم تنظر له من خلال دموعها المترقرقة ثم تنظر إلى أعلى و هي تشير إلى السماء  
 ...............
(2)
          ينظر على الساعة متململا و يزفي في زهق " انا جعت " .. تسمع امها من المطبخ تقول مصبرة إياه " المدفع قرب يضرب .. اصبر"
          يقوم من مقعده متوجها ناحيتها .. لا ترفع رأسها عن المصحف .. يجلس بجانبها إعتراضا على تجاهلها و ينظر إلى ما تقرأ .. ترفع صوتها بالترتيل كي تـُسمعه

اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ () الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ () عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ () كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى () أَنْ رَآَهُ اسْتَغْنَى () إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى ()

          يسألها مقاطعا غير عابيء .. لماذا نصوم؟.. ترفع عينها عن المصحف و تجيبه بإبتسامة "  لنتعلم الصبر"
يقول محتجا " أنا عندي عشر سنين.. لسه صغير"
تخبره أن من لا يتعلم صغيرا .. ربما لا يتعلم ابدا
 ..................
(3)
          تطرق الباب ..تدخل , تراه بجانب النافذة .. تعلم أنه يرمي سيجارته.. تتجاهل رائحة الغرفة, تخبره أن صديقه بالباب
يمر من جانبها دون الرد بكلمة متوجها ناحية الخارج.. تلمح على طاولته غلاف ورق البفرة تلتفت لتسمع باب البيت قد اغلق و هو قد ذهب مع صديقه
.................
(4)
يسألها إن كانت تريد شرب الشاي .. تشكره دون رفع عينيها عن الكتاب الذي بيدها.. أمامها ورق و قلم على المنضدة و مستغرقة بالقراءة
" ماذا تقرأين؟"
يسألها
" مقارنة الأديان"
" لا تكفين عن القراءة"
" كل اساتذة الجامعة هكذا, يجب أن تتعلم كي تعرف كيف تــُعلم ؟"
ترفع عينيها عن الكتاب و تقول له في حزم
" أنت كمان لازم تذاكر, بلغت العشرين و ما زلت في عامك الدراسي الاول"
يزفر في صيق و لا يرد على كلمات مل سماعها تكرارا .. يأتي بعد قليل بالشاي و يجلس بجانبها ليشربه ثم يطلب في تأدب مني سلفة مالية لأن ليلة الغد هي ليلة رأس السنة و يود أن يخرج
تسأله دون مواربة
" و هتشرب؟"
ينظر لها نظرة خالية من المعاني و لا يجيب
" أنت عارف إن الخمر حرام مش كده؟"
يتنهد و يقوم .. تتركه يمضي دون مجادلة و تعود للقراءة
..................
(5)
" أنا أعرف"
" ايه؟"
" انك لا تؤمن بالله و انك مسلم فقط بالبطاقة"
يهرب من مواجهة عينيها و تهرب من عبرات كادت تغلبها
" أريد أن نتناقش "
تقولها في رجاء
" و أنا لا أريد"
ينهاها في حزم
ينظر كل منهما للآخر في صمت بينما صوت آذان صلاة الجمعة يدوي
تخرج امهما من غرفتها و تسأله
" ايه أخبار الشغل؟"
يتمتم بما لا تسمع و هي سارحة  في صورة أبيهما المعلقة فوق التلفزيون.. لم ير أيهما من أبيه سوى الصورة .. تتنهد
تدخل الأم المطبخ و تلتفت هي إليه متسائلة
" لماذا لا تبحث عن الله؟"
" أين؟"
"داخلك.. الله داخلنا"
يبتسم ساخرا و يقول و هو يزفر
" حسبته في السماء"

.................
(6)

بعد رحيل المعزين جلس كل منهما بجانب الآخر متشحا بسواد أحزانه .. وضع يده على كفها المسترخي بجانبها و رفعه إلى صدره ثم ضمها إليه فأجهشت ببكاء لم يجف دمع سابقه بعد
تمالكت نفسها و كفكفت دمعها و رددت التسبيح و هي تنظر للمصحف المستلقي أمامها على المنضدة.. نظر هو إلى المصحف ثم نظر إليها و قال في هدوء و يدها على كتفها
" أعرف أنك فقدت الثقة بي , لكن صدقيني  أنا سندك عند الحاجة.. لم يبق لكلانا سوى الآخر"
عادت للبكاء مرة أخرى و هي تخبره أنه لم يكن لكلاهما سوى الآخر
احتضنها من جديد و بكي معها

....................
(7)
" هل قرأت كتابي الأخير؟"
ذلك الذي تحدثت فيه عن علم اللاهوت؟"
"نعم"
" لا.. تعرفين أني لا أحب القراءة"
" اعتدت القراءة لك و أنت صغير .. هل تذكر؟"
" يبدو هذا منذ زمن بعيد للغاية .. العقود مرت"
" كنت أفكر بك و أنا أكتب"
" أعرف"
" كيف تعرف و انت لم تقرؤه؟"
" ليس المهم أن أقرأ المهم أن اعرف"
تهم أن تقول شيئا و تتراجع ثم تقول بسخرية طفيفة
" غريبة.. خليلتك قرأته و معجبة به للغاية,  تلك المرأة عقليتها مختلفة عن سابقيها "
" نعم و تختلف عني أنا شخصيا كثيرا لكنها أفضل من عاشرت"
" ستتزوجها؟"
يرمقها بتلك النظرة و لا يجيب
تطرق للحظات صامتة .. يسألها عن الأولاد, تخبره أنهم متشوقون لرؤيته الجمعة القادمة على الغذاء

...................
(8)

متأهبا لدخول غرفة العمليات, جلس على طرف الفراش بذلك الرداء الذي أعطوه إياه منتظرا مجيئهم لأخذه.. جلست بجانبه بيدها المسبحة تحركها في عصبية و قلبها يبتهل
" لاتقلقي"
يقولها لها مطمئنا و على وجهه ابتسامة, تربت على رأسه في حنان و لا تجيب
تسير بجانبه حتى باب غرفة العمليات , تقبل رأسه و هي تردد
" لا إله إلا الله"
لا يجيبها .. و تقف ترقبه و هو داخل معهم و هي وحدها بيدها مسبحتها و شفتاها تتمتمان بالشهادة له

................
(9)
كفها الصغير مرتاح بكفه و هما يعبران الطريق , تنظر إلى الشيب برأسه و هما يتحدثان و تتذكر شيبها المصبوغ
يفزعهما صوت البوق العالي للسيارة الآتية فجأة و في لحظات قصيرة يرتبكان و ينقذهما من التصادم فرملة السائق باللحظة الأخيرة
تدور الدنيا بها و تكاد تسقط لولا أنه يسندها بقوة و يسير بها مجلسا إياها على طرف الرصيف
يعود ملتفتا إلى السائق ليوبخه ثم يعود إليها مسرعا من جديد متسائلا في لهفة
" إنت كويسة؟"
" الحمد لله ربنا ستر" تجيبه و هي ساندة رأسها بكفيها يبتسم و هو يربت عليها و يسألها بغتة
" هو ربنا فين؟"
تنظر إلى عينيه الحانيتين ثم ترفع رأسها للسماء ثم تنظر حولهما و تجيبه بيقين
" في كل مكان"


Comments

مياسي said…
الله في قلوبنا إن بحثنا عنه جيدا!
جميله جدا منذ زمن لم أقرأ شيئا أثر بي هكذا
candy said…
روعة روعة روعة !!

إيه الرقى والحبور دا كله !!

بجد استمتعت جداااااا

تحياتى
تصفيق حاد

مُتتالية مُتسلسلة بروعة رغم القفزات الزمنية الواضحة

الخيط مُتصل من البداية إلى النهاية باحتراف

أبدعتِ
Farida said…
مياسي

أشكرك

CANDY
أخجلتم تواضعنا
Farida said…
القاضي

يسعدني مرورك هنا يا باشمهندس و حرصك على تشجيعي

ممتنة لك بشدة
:))
لا عذر لي ان اعدت فتح تلك الحكايا رغم مرور زمن علي كتابتها لأنها حقا رائعه

لم اكن انوي التعليق ولكن هذا السرد الممتع اسرني فهنيئا لي بقرائتها

وعذرا لأني ماكنت متابعه جيده لهذا القلم الساحر
Farida said…
حبيبة القمر

أشكرك
تسعدني متابعتك و تعليقك يطرب قلبي

:)

Popular Posts