الذكر




 في المعجم
 ذكر الشيء ذكرا و ذُكرا و ذكرى و تذكارا
حفظه و استحضره و جرى على لسانه بعد نسيانه

و لفظ الذكر و مشتقاته  أتى في القرآن في مائتين ثمانية و ستين موضعا.. منها

﴿ اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ ﴾ .
العنكبوت 45

  حيث يطلب الله منا أن نذكره دوما
 ونحن نذكر الله في الصلاة و بقراءة القرآن و بالدعاء

 الصلاة في حد ذاتها تشمل كل ما سبق ذكره, لكن طلب الله منا تحديدا ذكره في غير أوقات الصلاة

فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلاَةَ فَاذْكُرُواْ اللّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَأْنَنتُمْ فَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ إِنَّ الصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا
النساء 103

و هنا نتفكر في التسبيح و هو  كما أشرت سابقا أحد وسائل الذكر و دون أن أثير حفيظة أحد ضدي أحب أن أقول بموضوعية أني لا أنظر للتسبيح كما تشير له بعض الأحاديث و يوصينا به البعض كمقايضة عدد تسبيحات مقابل عدد حسنات.

أنا لم أدرس علم الحديث كي أقرر قوة تلك الأحاديث و لكني أعتقد أن الغرض الأساسي لا يكمن في آلاف الحسنات التي تضاف إلى رصيدنا عندما نمسك بالمسبحة .. كلا .. الغرض من تكرار كلمة بعينها هو محاولة الوصول بالروح لحالة معينة

إن لنطق الكلمات قوة و أثر على الروح لا يغفله دارس .. فعلى مدار تاريخ الشعوب والدارس لتطور المعتقدات الدينية يجد أن النفس الإنسانية تتأثر بشكل أكيد بتكرار الكلمات بعينها

و هو مبدأ المعتقد الصوفي و معتقدات أخري غير سماوية .. فنجد هذا المعتقد في الديانة الهندوسية و البوذية .. حيث  الوصول بالروح لحالة السمو بتكرار كلمات بعينها بشكل منظم في حالة وضعية محددة

لذا فإن المسبحة لا تقتصر على الديانة الإسلامية .. بل تقترن بديانات أخرى

و حتى في تلك المعتقدات الغير سماوية أو التي لا تمت للروحانيات بصلة نجد أثر الكلمة و قوتها واضحا
فمثلا نجد في القبائل التي لا تؤمن بالرسالات السماوية ما يسمى " بالتعويذة" و هي كلمات معينة تكرر بشكل ما لدفع شر أو استحضار أذى و هي مقترنة بالسحر و السحر كان وسيلة الإنسان البدائي لدفع أذى قوى الطبيعة عنه

لكن بالنسبة للمؤمنين بوجود الخالق ظلت الدعوات هي وسيلة الرجاء الذي يستخدمه الإنسان كي يرجو الخالق كي يدفع عنه الأذى أو يطلب منه خير

وَإِذَا مَسَّ الإِنسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَآئِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَّسَّهُ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ
يونس 12

و هنا نأتي على ذكر الدعاء الذي هو الآخر وسيلة نذكر عندها الله عز وجل
و من الملاحظ هنا أن حالة الإنسان أثناء الدعاء " لجنبه أو قاعدا أو قائما" تطابق الحالة التي طلب الله منا ذكره فيها دائما

إذ أن غرض الذكر هو التواصل بيننا و بين الله بتكرار كلمات بعينها تصل بنا لحالة روحية بعينها نسمو فيها كي نستشعر الله
و من المفترض أن تكون تلك الحالة ملازمة لنا لا لمجرد الاحتياج و الدعاء فقط

القرآن في حد ذاته وصف بال "ذكر"   في أكثر من موضع
إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُّبِينٌ
يس 69


  على أي حال إن كان الذكر تسبيحا أو حمدا أو استغفارا متكررا فإن هذا من المفترض أن يصل بالروح لحالة الاطمئنان و الراحة لأنه طريقة للاتصال بالله

(الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ) (الرعد:28)

لا يوجد من يؤمن بقوة الكلمة أكثر مني و هذا أمر بديهي .. حيث أن التعبير بالكلمة هو شغفي الحقيقي و أمر لازمني طوال عمري

و من أحد الكتب التي اشتهرت عالميا في العقد الأخير هو كتاب " السر " الذي يشير إلى قوة الكلمة التي ترددها لنفسك و كيف تستطيع النجاح أو فعل الصواب إن رسخت في اللاوعي ما يردده عليك إدراكك و هي فكرة قديمة كما أشرنا قبلا خلص إليها الإنسان منذ القدم

عندما أقرأ القرآن أو أتأمل في ذلك اللفظ " الذكر " الذي كرره الله عز وجل كثيرا علينا علنا نتفكر
أجد أن الغرض الأساسي من الذكر نصل إليه بسهولة عندما ندرك تلك الكلمات التي نقرأ بإدراكنا الواعي فنسمح لها بالترسخ في وجداننا بسهولة

إن ما يرسخه القرآن و التسبيح و التواصل مع الله عز وجل عامة في وجداننا هو أمر ليس بمستغرب على أرواحنا أو جديد عليها ففطرتها متهيئة لهذا .. فقط أن تذكر أو كما يفسر المعجم ذلك اللفظ " تستحضر".. أي  أن تستحضر ما تعرفه روحك بالفعل .. ثم تكرره بإدراك ثم تدعه يرسخ في وجدانك بالعمق الكافي .. عندها تستطيع أن تشعر فعلا أنك تذكر الله و تدرك ذلك الوعد الذي نغفله

فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُواْ لِي وَلاَ تَكْفُرُونِ
البقرة 152

Comments

على أي حال إن كان الذكر تسبيحا أو حمدا أو استغفارا متكررا فإن هذا من المفترض أن يصل بالروح لحالة الاطمئنان و الراحة لأنه طريقة للاتصال بالله


That is it

Popular Posts