عوالم غير افتراضية



 من الصعب عليك أن تتبين العمر الحقيقي ل " أم رمضان " رغم الشعيرات البيضاء المتناثرة , فبدانتها الزائدة تجعلك متيقنا أنها غالبا أصغر سنا مما تبدو , لكن هذا ما يفعله الشقاء بالجسد , إنه ينهكه و يضيف له سنوات أخرى تُحتسب عند الروح المنهكة من الصراع مع الحياة .

هي تخبرك أن الفتيات المراهقات هن أكثر ما يتعبها في دار الأيتام تلك , و هي تقريبا لا تنام , عندما تقضي الليلة هناك , خشية أن يقفز الشباب من على السور لحجراتهن, تخبرك أن زمنهن " اغبر" و أن الفتيات الأكبر سنا أكثر احتراما و انضباطا.

تفتخر بأن بناتها تزوجن و أنهن ربات بيوت يعرفن كيف يصن بيوتهن.

و لا عجب فلقد صانت هي زوجها الضرير, و تحدثك " أم رمضان " عن الحب , كما تعرفه هي , فهي تحب زوجها الراحل و أحفادها , و تحب الله , و تشعر بالشفقة من أجل هؤلاء الأيتام , لكنها تؤكد أنه يجب ألا نكرر أمامهم أن ظروفهم صعبة و أنهم معذورون.

تسأل في واقعية " إن رددنا هذا أمامهم سيلتمسون العذر لأنفسهم في كل شيء, أليس كذلك ؟"

لكنهم يعرفون حتى و إن لم نخبرهم, أنهم أيتام , و أن المجتمع قاسي و الرحمة شحيحة بالقلوب , و أننا نتناسى أنه لا أحد يختار واقعه و نشأته .

 لكن هذا الحديث الرومانتيكي يراه البعض صالحا لأوراق كاتبة مثلي , مفكرة , تؤمن بالإنسانية و الثقافة و تكتب و تقرأ , و تعيش في عالمها الخاص.

في العالم الواقعي نحن لا نلتفت للعوالم الأخرى , واقعية كانت أم خيالية , إننا لا نفكر في هؤلاء الذين بالخلفية , رغم كونهم الأناس الحقيقيون , نحن نعطف عليهم ببعض من مالنا, و تعاطفنا الإنساني , لكن من الصعب أن نعطيهم من وقتنا , في خضم , الحياة , في جلوسنا متسمرين أمام شاشات التلفزيون لنتابع البرامج الحوارية البغيضة , و في تسابقنا لمشاركة " الاستيتوس " و "التغريدات" و تباهينا بعدد المتابعين ,و أثناء محاولاتنا للعمل في تلك الظروف الاقتصادية الغير مستقرة و في انشغالنا بالحب و الهجر و الزواج و حكايات الرجال و النساء, نعم , في خضم كل هذا نحن لا نملك الوقت الكافي , للبشر الآخرين , قد نتعاطف , قد نتبرع , لكن لا وقت لسماع حكايتهم , لا وقت لرؤيتهم حقا , و لا يصح لنا أن نخبرهم " أننا و الزمن عليهم " كيلا يلتمسوا لأنفسهم العذر في الفساد .

في خلفية الأحداث , البلطجية يتربصون بنا , متطلعين بالشوارع الجانبية , و نحن نتشاجر حول كل شيء و كلنا نتكلم بالسياسة , و نشرب القهوة و نصرخ على بعضنا البعض و نتهم بعضنا البعض , و نتحدث عن مصر .

و " لا شيء يعود إلى سابق عهده " هذا ما قالته لي " فريدة " و كتبته أنا , كل شيء يتغير , لكن هناك حقائق تظل ثابتة , مثل الحب و الرحمة , القسوة و الوحدة , الخطايا و المغفرة .

و أن هناك دوما من هم بعيدين تمام البعد عن تلك الأحداث , لأن هناك أحداث أهم , و حكايات من نوع آخر , و تخبرك " أم رمضان " أن ما نراه بالأفلام يحدث بالواقع , حيث الطفل يُلقى رضيعا على باب جامع , و يظل مجرد روح تبحث عمن يحتويها حتى يشاء الله له من يرعاه , نعم , أتاهم " طارق" و هو لم يزل بدماء ولادته و كفلته موظفة لأنه كان مريضا و لأننا بشر و في قلوبنا رحمة , بينما ترى زميلة " أم رمضان " أن هؤلاء الأيتام حظهم أفضل من حظ أولادها , فهناك مخبولون يتبرعون لهم بكل شيء , بينما تعيش هي و أولادها الكفاف .

تخالفها " أم رمضان" الرأي , فهي ترى أن المال لا يعوض الحب و أن نشأة الطفل في بيت فيه أب و أم معا و أخوات في محبة, هي الأهم , و أن هؤلاء الأطفال الذين تُتبادل عليهم الورديات , يحبهم من يحب و يسيء معاملتهم من لا يُحسن , تعساء الحظ فعلا , لكن تلك هي الدنيا .

تلعن صديقتها في الرجال " ولاد الكلب" الذين يستسلمون لغرائزهم و النساء الساقطات , و تغمغم بكلمات حانقة كثيرة تلاءم طبيعتها الساخطة .

بينما تظل " أم رمضان " هادئة , كعادتها , و يجبرك هدوئها على الجلوس بجانبها في سكينة , تفتقدها في عوالم أخرى , موازية لذلك العالم الحقيقي.

Comments

شخابيط said…
معاكى حق بالنسبة لاننا مبنقدرش نديهم وقتنا مع اننا بنضيعه فى حاجات سخيفة
بس الحاجة اللى بجد بتحسسنى بالذنب و بحلم اعملهم حاجة فى يوم من الايام هما اطفال الشوارع وعندى احساس ان ربنا هيحاسبنا كلنا عليهم
و الايتام حتى لو كانوا منبوذين اجتماعيا الا انهم الحمدلله بالنسبة لى من وجهة نظرى احسن كتير من طفل شوارع بيشم كوللـه علشان يدفى او بيضطر يسرق علشان ميموتش من الجوع
شخابيط said…
معاكى حق بالنسبة لاننا مبنقدرش نديهم وقتنا مع اننا بنضيعه فى حاجات سخيفة
بس الحاجة اللى بجد بتحسسنى بالذنب و بحلم اعملهم حاجة فى يوم من الايام هما اطفال الشوارع وعندى احساس ان ربنا هيحاسبنا كلنا عليهم
و الايتام حتى لو كانوا منبوذين اجتماعيا الا انهم الحمدلله بالنسبة لى من وجهة نظرى احسن كتير من طفل شوارع بيشم كوللـه علشان يدفى او بيضطر يسرق علشان ميموتش من الجوع
P A S H A said…
نص ولا أروع بجد
:)
مبدعة
Farida said…
شخابيط

أطفال الشوارع ملف آخر مؤسف و يستدعي الدراسة

التفات كل منا للمحيط قد يفيد كثيرا
و كم من الوقت يهدر فيما لا يلزم
Farida said…
باشا

أشكرك
:)
ديدي said…
سرد شيق لموضوعات معقدة
تحياتي

Popular Posts