إبراهيم فرغلي يكتب عن إبراهيم أصلان




مقتطفات من المقال:

إبــراهيم فرغلي 
كنّا نجلس في مقهى "أم كلثوم" في وسط القاهرة، في ليلة باردة، أنا ومجموعة من الأصدقاء، أذكر منهم الآن كلاًّ من ياسر عبد اللطيف، وائل عبد الفتاح، ياسر إبرهيم، ونادين شمس. ثم جاء طيف إبرهيم أصلان، محمولا على سيرته، فارتفعت هالة قداسة افتراضية أعلى رؤوس الجميع، وبدأوا نغمة واحدة من الإعزاز والتقدير لأصلان وكتاباته. الشعار المطلق المرفوع حول إبرهيم أصلان، أصابني بنفور تحفّزه فوبيا مستترة تراودني كلما شعرت بإجماع مطلق حول مبدأ أو فكرة أو شخص. 
السرّ
قلت لهم إنني لا أفهم سراً لأسطورة إبرهيم أصلان هذه، وهو لم يكتب سوى ثلاثة او أربعة كتب، وكان ذلك قبل نحو اثني عشر عاماً. انبرى وائل عبد الفتاح يتحدث عن بلاغة الإيجاز، وعن المحو أكثر من الكتابة، وعن الكم والكيف، وعن أن الكاتب الحقيقي قد يكفيه كتاب واحد، وهو ما كان بديهيا بالنسبة إليَّ، لكني لم افهم كيف يكون هذا وحده مثاراً لصناعة أسطورة. وإذ شعرتُ بقصور عبارته في توضيح سر عبقرية اصلان، متشككا في أن وائل عبد الفتاح ينظِّر للكسالى الرائعين ويتحمس لهم أيا كانوا، تحول سؤالي إلى لون من الاستفزاز، مستثيراً إياهم لكي أفهم اكثر. زادت حدة العضب وارتفعت حدة النقاش، لكني أحسست في لحظة أن اليقين الكامل في أصلان أعجز الجميع عن إدارة النقاش بشكل مقنع، بالنسبة إليَّ على الأقل، تماما كما يدافع مسلم عن الإسلام من دون أي معرفة بما يدافع عنه، مع الفارق في التشبيه.
..........................................

في جانب آخر من استبصاراته النافذة عن الكتابة، كان كثيراً ما يردد أن سيرته الذاتية كشخص، بالرغم مما قد يعتريها من مصاعب ومشقة، ليس في ذكرها بطولة، لكن الخبرة التي بنتها تفاصيل تلك الحياة هي ما يمكن الافادة بها من الكتابة، أو بنص قوله: "كل عمل فني هو سيرة على نحو أو آخر، لعلها سيرةُ تطورِّك وجدانياً. لكن الناس تعيش آلاماً وأحلاماً قد تكون أوجع مما يوجعني. الناس الشعبيون الذين عشت في وسطهم عندهم تجارب شديدة الغنى، ولو لم يعيشوا هذه التجربة كان يمكن أن يموتوا جوعاً، ومع ذلك لا يعتبر أحدهم أنه صاحب فضل لأن لديه تجربة غنية. ربما عليَّ أن أتمتع بقدر من الصلافة حتى أحدّث الناس عما جرى لي، باعتباري كائناً، "كما خلقت" وأريد أن أحدثهم عمّا عشته، بينما هم يعيشون ذلك بشكل مؤلم. لم أكن أستطيع أن أفعل ذلك. ولكن يمكن أن تتحول هذه الآلام كلها إلى نبرة في النص، طبقة صوت تحكي بها، درجة لون، الزاد الذي تشتغل به، أنا عندي يقين دائماً أنه ما دامت الأحاسيس حقيقية فستظل موجودة وراء القليل مما يكتب، إذا استطعتَ حوِّل هذه القيم الإنسانية كلها، والمواجع والآلام، من موضوع إلى أداة للتعبير".
......................................

يصف أصلان نفسه بأنه جهاز استقبال لا يرسل شيئا، وهي مقولة إن كانت تكشف شيئاً، فهي تعبّر عن تواضعه. لكن نصوصه، مضافا إليها تحفه الأخيرة الأدبية من مثل "حكايات من فضل الله عثمان" (اسم الشارع الذي ذكره عبورا في بداية رواية "مالك الحزين" في حي امبابة الذي أمضى فيه عمره كله تقريبا عدا سنوات أخيرة قليلة)، و"عصافير النيل"، و"خلوة الغلبان" وسواها، تكشف أن ما يستقبله بتأنٍّ وتمعن، يرسله في النص، بالشكل الذي يفعله فنان محترف يقوم بالنقش على خام صلد، فلا يقشر من مادته إلا برهافة، ولا يُرينا إلا الأصيل الذي يجعلنا نقول عن عمله إنه تحفة فنية.
أما وعيه بهذا فقد عبّر عنه يوما بقوله: "كان عندي يقين، ولا يزال، بأن الحقيقة الفنية ليست بحاجة لأي برهان للبرهنة عليها، شأنها شأن أي كائن بشري، وكان عندي إحساس بأن هذا الإبداع يقوم على صورة من صور الوجد. الإحساس هو الذي يقودك، علاقتي بالعالم تتكثف بإحساس يكاد يكون عضوياً، وأنا أسعى لإعطاء هذا الإحساس شكلاً أو قواماً، لا أريد أن أقول متجاوزاً الرسائل والمعاني، لكن أنا أسعى الى أفق آخر، الى معنى، ففي النهاية لا يمكن أن تبدأ من فراغ، ولكن من إحساسك متكئاً على تفصيل وآخر، تحاول أن تعطي هذا الإحساس قواماً وتسعى نحو معرفة ما. أحياناً ينتابني الإحساس بأن العمل الفني هو سعي نقيض لهذا المعنى".
.......................

المقال كاملا

Comments

ديدي said…
رغم قلة أعماله إلا أنها سوف تظل شاهدة علي براعته وأستاذيته.
ربنا يرحمه رحمة واسعة
تحياتي لقلمك ولوفائك

Popular Posts