عزيمة النمل




نتحدث أنا و هي عن الكتابة , و أدرك , أن كل شيء غير منطقي إن حللناه بعقل جامد حيادي.

نحن نكتب و نستغل الأساليب المعروفة و المبتكرة و نضيف على ما كتبنا بعض من روحنا و نُلبسه طريقة صياغتنا المتميزة , و كل ما نكتب عنه قد عُبر عنه قبلا !!, و كل ما نشعر به ليس قصرا علينا , بل هي المشاعر الإنسانية.

 و خبراتنا هي نفس الخبرات التي يتعرض لها كل شخص على حدة في حياته بمرحلة ما ,  لكننا نشعر أننا يجب أن نعبر  , و كأن كل ما نصوغه هو حكر علينا وحدنا.

بينما هو في النهاية ملك للإنسانية  التي تبحث بين ما نصوغ شعرا و نثرا , و رسما  و نحتا أو حتى عزفا , عما يشبهها , يبحث المحب عن كلمة تصف العشق و يبكي المفتقد لنغمة تثير لوعة الاشتياق.

بينما نحن , المجانين بنظرهم , نكتب من أجل ذواتنا أولا , ذواتنا التي تتفاعل مع العالم بشكل أكبر من تخيل من لا يعلم , بينما تظل هي حدودنا , فنبدو نرجسيين رغم أن ما ننتجه في الأصل من أجل العالم , و تشغلنا إشكالية جودة ما ينتج عنا من فن , و نكتئب و نكره ما أبدعنا و نعيد تشكيله من جديد و نبدو للناظر مجانين , لنا عالمنا الخاص المنفصل .

لأننا في النهاية نعبر عن كل ما عُبر عنه قبلنا و سيعُبر عنه بعدنا , لكن دوما هناك حافز خفي يوهمنا أننا يجب أن نعبر , حافز نستمده من الشعور بذواتنا و أهميتها.

و هذا الدافع لا يقتصر علينا وحدنا كفنانين , انظر للعالم يكرر أفعاله , يبني و يعمل و يبحث رغم يقينه في النهاية أنه سيرحل تاركا كل ما وصل إليه , و الفناء هو مصير الذات الفردية و مصير العالم ككل في نهاية المطاف , فهل توقف كل محب مال عن جمعه , و هل توقف كل طالب علم عن بحثه ؟!

إن هناك دافع خفي غير مبرر لتلك الذات الفانية أن تشعر ببعض من عظمتها و تفردها , و ذلك الشعور يظل بنسب , نسب تتحكم في مدى إبداع كل فرد أو إنتاجه , هناك من يبخس نفسه قدرها فيعيش و يموت على الهامش و هناك من يشعر أن ذلك الدافع الخفي أكبر من كل شيء , فيظل يحاول و يحاول.

و هو نفسه لا يدرك يقينا , لماذا يعاني تلك المعاناة , و لا المجد مطلبه و لا الشهرة غايته و إن كانت هي السبيل !

 إنه الشبق في أبهى صوره , حيث لا شبع , لا كلمة تكتبها تكون كافية و لا صورة ترسمها تعبر حقا عما ترى , إننا نحتقر ما نبدع فور انتهاؤنا منه و نعاني أثناء محاولة الإبداع و كأن ما سينتج عنا سيغير وجه البشرية !, و هو لا يغير وجه البشرية  , لأنه لا شيء يغير وجهها , ملامح البشرية أكبر من أن يدركها بصرنا .

و كل معرفة نصل إليها هي موجودة بالفعل , فقط توقيت وصولنا لها هو الحدث , و نحن أسرى لذة ذلك الحدث , و يتشابه الفنان و العالم في التوق لهذا النوع من اللذة , و لا يوجد حضارة دون علم , كما لم توجد حضارة دون فن , كلاهما مجرد تعبير الإنسانية عن أحد جوانبها , رغم معرفة الإنسان بأنه فاني دون محالة .

و رغم يقيني بأني مجرد ذات فانية , أجد نفسي أجاهد , كل شيء , كل الظروف التي لم أخترها و كل الاحباطات التي لم أتوقعها , فقط كي أكون كما أريد , وأذكر  النملة , تسقط الحبة من فوق ظهرها فتستدير بدأب حولها و تحاول حملها من جديد , تتحايل على المعضلة لكن لا تتخلى عن هدفها !

 من أين يأتينا ذلك الصبر على الدنيا ؟ و كيف نجاهد من أجل كينونة تُسلب منا رُغما بالموت و على غير توقع؟ , العزيمة هي سر الحياة .

أنا و هي كنا نتكلم عن الشخوص التي نراها في خيالنا و نتفاعل عنها و نكتب عنها , عن سفري و خوفي أن تفتح عيني على كره مصر مثل كثيرين , عن كتابتها و سعيها نحو أن تكون أفضل , كنت أشجعها أن تكتب حتى و إن كرهت ما كتبت , لأني سبقتها لتجربة النشر و كانت تشجعني أن أسافر و لا أخشى أن أرى لأنها سبقتني إلى تجربة السفر .

كانت تخبرني عن ذاتي التي أنا منغلقة  بداخلها بينما هي تكتب عن تأثير تجربة السفر علي ذاتها التي عاشت بين عالمين!
 تكتب هي عن فكرة كتب عنها غيرها و أكتب أنا عن ذاتي التي قد لاتهم غيري , و لا ندرك أنا و هي تماما أننا أسرى ذلك الشعور الخفي بأن نعبر دون سبب منطقي , إنه الشبق الذي لا ينتهي.

..............................



اللوحة رسم شهير للفنان الإيطالي ليوناردو دافنشي من أحد رسوماته لتشريح الجسد البشري
لم يبرع دافنشي فقط في الرسم , كانت له كتب في التشريح و الميكانيكا 
ليوناردو دافنشي لا يعد المثال الوحيد عن من جمع بين حب الإبداع الفني و البحث العلمي معا 


Comments

هذا المقال عبر عن ما أشعر به من معاناة من أجل الكتابة فهناك احساس لدي دائما أن ما كتبته قد تم التعبير عنه من قبل بصورة أفضل كما أن كل من حولي يعتقدون أن ما أفعله تضييع لوقتي ورغم احباطي المستمر اجد نفسي أريد أن استمر في الكتابة حتى لو ظللم يكن لدي قراء ,وأنا أعتقد أن الفن والابداع هي وسيلة الانسان للتغلب على شعوره بالفناء فمثلا شكسبير خالد بأعماله رغم رحيله .
ولكني أعتقد أن الفناء التام ليس حقيقيا لأن الانسان هو روح والروح لن تفني أبدا
من أجمل ما قرأت عن تفسير ماهية وطريقة واحساس المُبدعين على الإطلاق

ربما أصاب المقال روحي مباشرة لأنك كشفتِ عن دواخلي أنا أيضا .. أو كشفتِ لي نفسي أمامي

هذا اذا اعتبرتُ نفسي أحد هؤلاء الكتاب .. أو أنصاف المُبدعين

Popular Posts