الحب في القصص الخالية و أحلام الصبايا و بريد الجمعة




الكتابة الصحفية تختلف دائما عن الكتابة الأدبية , في الصحافة , أنت تريد إيصال الفكرة أو الخبر في عدد محدود من الكلمات مناسب لحجم المساحة المخصصة لك , من الأفضل لأسلوبك أن يكون واضحا و مباشرا , و حتى هؤلاء الأدباء الذين كتبوا للصحافة أعمدة معروفه اشتهرت بأسمائهم , ظلوا محددين بالفارق ما بين المقال و القصة القصيرة أو الرواية أو حتى الخواطر المرسلة.

في الأدب تهتم أكثر بجماليات اللغة , و محاولات استغلال أدواتك في خلق حالة من التصور لما تصفه و نقل خيال القارئ و بالتالي وجدانه للحالة الشعورية لشخوص ورقك و رفقاء خيالك.

هناك رجل استطاع صياغة حكايات البشر الحقيقية فيما يشبه القصص الأدبية القصيرة , على صفحات الجرائد الممتلئة بالكتابة المقالية , كاتب استطاع إحياء فن " أدب الرسائل" بطريقته المميزة و استثمار موهبة قلمه في خلق حالة تواصل إنساني جميل بين القارئ و أصحاب المشاكل من خلال ردوده المميزة.

هو "عبد الوهاب مطاوع" بحسه الأدبي العالي و حسه الإنساني المخلص , خلق حالة مميزة من خلال بابه الشهير " بريد الجمعة " , ووضع بصمته على صياغته للرسائل , و استطاع من خلال ردوده مخاطبة عدد كبير من المتلقين لا فقط أصحاب المشكلات المعنية بالرد.

مضى بسلاسة يستشهد في ردوده بما قرأه  أو عرفه , محققا لغاية الأديب الكبرى ألا و هي نقل المعرفة من خلال قلمه , و قد نفعل هذا ككتاب من خلال المقالات و القصص و لكن من خلال أدب الرسائل و الردود عليها , فهذا مضمارا غير اعتيادي , برع عبد الوهاب مطاوع به , و عن جدارة.

خلال 22 عاما ظل " بريد الجمعة " , حالة أدبية و إنسانية منفردة يتابعها كل بيت مصري , و يقودنا هذا للحديث عن أدب الرسائل عامة و عن عبد الوهاب مطاوع خاصة.

الرسالة هي وسيلة بسيطة للتعبير عن الذات و المشاعر , و  تعد وسيلة تخاطب , شخصية أو رسمية , و لما عرف عن العرب من حب للبلاغة و فصاحة في القول , تحولت مكاتباتهم العامة و الرسمية " ما بين الحكام و أمراء الأقاليم " إلى أدبا و فنا مستقلا , لأنها كانت وسيلة للتباري في إجادتهم للغة و فنونها, و قد أنشئ  دواوين خاصة للمراسلات و اشتهر البعض ببراعتهم في فن المراسلة أمثال : " عبد الحميد الكاتب، أبو الفضل بن العميد، و أبو العباس القلقشندي، الذي أدرج في كتابه " صبح الأعشى " مقالة كاملة عن المكاتبات و أنواعها .

و هناك النوع المعروف , ألا وهو الرسائل الإنسانية الخاصة و التي تنقسم إلى أقسام عدة تتنوع حسب غرض الرسالة .

 و إنه لمن المثير للإعجاب أن ينجح " عبد الوهاب مطاوع " في خلق حالة أدبية زاخرة و ممتعة من نوع واحد من الرسائل , فكل الرسائل التي أرسلت له كانت رسائل من أجل المشورة و النصح لأصحاب مشكلات شخصية , و على الرغم من تشابه مشكلاتنا و حكاياتنا , استطاع ذلك الأديب المتميز , رسم ظلال لكل شخص أرسل له رسالة و إحياؤه على الورق و جذب القارئ للتفاعل الصادق معه , فتحتار , هل أنت أمام رسالة حقيقية , أم أدبا خالصا ؟!, و لم يضاهي أحد " عبد الوهاب مطاوع " رغم وجود أقسام مشابهة في معظم الصحف , للتواصل بين القراء و التعبير عن مشكلاتهم , و ظل " بريد الجمعة " سلسلة ممتدة لعمل إبداعي واحد , نتج عنه صدور عدة كتب .

أمر آخر نجح أدب " عبد الوهاب مطاوع " في خلقه , فلقد نجح و من خلال المشكلات , خلق حالة أمل و إيمان بعدالة السماء و رحمة الله , و بالحب أيضا, فتجده يعرض تطورا لأحداث أصحاب المشكلات في الرسائل التي أرسلوها له بعد مرور الأعوام و بعدما اتبعوا نصحه , و تجد بين أوراق رسائله كثير من قصص الحب الحقيقية التي تفوق قصصنا الخيالية روعة , حيث الحب و التقبل و الصبر , رغم كل الصعاب و الوصول إلى التمتع بالعيش مع الحبيب حتى نهاية العمر.


في ظني الشخصي يجب على الأديب الحق أن يؤمن بالإنسانية , عندها يكون قريبا لمتلقي فكره و كلماته , رغم أنه يخاطبه من خلال ورق , الصدق يخترق القلب و يخلق حالة تواصل حقيقية و ملموسة , و ذلك الكاتب و المفكر الصادق , ينجح في تخطي المسافات و حتى الزمان و تظل كلماته أقوى من كل شيء , لأن إيمانه بالإنسانية صادقا و احترامه للقارئ نابعا من إيمانه بأنه صاحب رسالة , فيحبه القاري لا شعوريا و يثق به , و إن قرأت عن شخص عبد الوهاب مطاوع ستجد كثير من الإشارة للخصال التي ميزت شخصه و انعكست على أدبه المميز.

Comments

ديدي said…
في الحفيقة فكرتيني بأيام زمان ، يوم الجمعة قبل الصلاة نجلس أنا وأمي وأبي في الصباح لإقرأ لهم بريد الجمعة
علي فكرة ذكري رحيله كانت في شهرأغسطس 2004
ربنا يرحم هذا الرجل النبيل، وإللي زي ما قولتي كان بيدينا الأمل
تحياتي
candy said…
قريت كل كتبه ولسة عندى نهم كبير

الراجل دا كان "إنسان"
صدقتِ في كل ما قلتيه

ولكنني أضيف أنني أحسد "مطاوع" أنه أُتيحت له تلك الكمية المهولة من الرسائل، والتي كل منها يمكنها أن تلهمه بقصة جديدة

وهذا هو الفرق بيننا وبينه حين نبحث عن الإلهام

Popular Posts