مالم ينشر 3


نزلت من عنده و تطلعت ورائي كي أرى المبني الذي يحوي مكتبه , و تذكرت يوم قابلته هنا أول مرة من أجل العمل ,و تنهدت و أنا أضع نظارتي الشمسية و آثرت السير قليلا كي تهدأ أعصابي , لم أقل يومها سبب بقائي معه , لم أجبه على سؤاله الدائم " لماذا؟"

لم أخبره أنه صادق و كريم و عفيف النفس و معطاء , و ذكي و عاقل , و مثقف ,  و لا ذكرته بأنه كان دوما ينجح في إضحاكي مهما كنت مكتئبة و امتصاص توتري مهما بلغ مداه , و أنه كان يعرف كيف يغازلني و يسخر مني في نفس اللحظة , و أنه كان يشبهني في معظم الأشياء لكن مضاعفا .

لم أشرح له أبدا مقدار حساسيتي  التي فاقتها حساسيته  و أني لم أكن مع شخص بعمري و سمحت له أن يعطيني قدر ما أعطاني هو , و أني كلما كنت ارجع لذكرياتنا أجدنا قد فعلنا كل الأفعال الطيبة معا ,تاركين أثر بكل مكان محتمل , لم أشرح شيئا , لا في تلك المرة التي تشاجرنا فيها زاعمين أننا لن نتقابل أبدا , و لا المرة التي تلتها و لا التي تلتها.

لو أنني قلت له أنه كاذب , أناني , و مدعي , أضعف مما ينبغي و قوته يستخدمها فقط للحصول على ما يريد ,  لذا هو لا يستحق الحب , لبدت له تلك الكلمات أكثر تصديقا !
لكن روحه كانت أكثر صدقا من ألاعيبه , كانت تعود به, و ربما لم يرحل عني كما زعم كلانا و كنت أنا لا أريد الفراق لكن رحيله في نهاية المطاف كان حتميا و متوقعا, رآني بحساباته اختيارا غير ملائم و رأيته ببصيرتي اختيار يحوي مخاطرة لا تُغفل .

 أخبرته ظنونه و هواجسه و قناعاته المتناقضة أنني نزوة يجب عليه تخطيها و أقنعني تعبي البادي في علاقتي به أني يجب أن أتركه يبتعد. وردد كل المحيطين - حتى دون معرفتهم بالتفاصيل - بأنه شر مستطير و أنه إن كان هو بشرق الأرض يجب علي سكن مغربها !

 في لحظة ما قررت السفر خارج مصر , لأني كنت لم أتعاف بعد من كل ما حدث بحياتي الماضية عندما اعترض طريقي رجل غفلت اسمه و رفضت الاعتراف بحكايته , فبدا السفر حلا ملائما . لكنه  كان قد رحل عني قبل السفر.

لم أكن متزنة في علاقتي معه و لا ينفي هذا اضطرابه هو الآخر , الفارق بيني و بينه أنه زعم أنه يعرف تحديدا ما يريد في تلك الأيام بينما أنا و بعدما انجذبت إليه رغم كل عيوبه, قررت أني لا أستطيع تحديد ما أريد بعد إن كنت قد تورطت في علاقة بها من التناقضات ما يصعب وصفه , فبقدر الراحة كان التعب و الانجذاب كان للنفور ند لا يتزحزح .


أخافني حبي له لأني كنت أخشى أن أرتبط ثانية ثم أنفصل , المجتمع لا يرحم لأن أسس منظوره لم تقم أبدا على العدل الإلهي قدر ما قامت على المعايير القبلية و قد كان هو واحدا من هذا المجتمع , يرى " الطلاق" كأنه نقص ما ! حتى و إن حدث لأحب الناس على قلبه لا تستثنيهم المحبة من النظرة المنقوصة و لو ضمنيا .

 هو الآخر كان يخشى الارتباط كيلا يفشل و من هنا بدأ تقاربنا ! كانت بداية غير تقليدية لعلاقة   لكنها و مثل جميع العلاقات تشابهت في النهايات.

التقارب الإنساني  يقوم على الإعجاب و الاحترام و الثقة , غياب أي من تلك العوامل ينهي أي علاقة و هو لم يثق في  لغيرته الشديدة و شكه, و دفعته أحكامه الخاصة ألا يحترمني أيضا , و أنا لم أسع لثقته و لا احترامه , و ربما أكون قد دفعته للعكس . لذا بدا رحيله بديهيا, و لقد تركته يرحل و لم أستبقه.

عرفت أن المجهود الذي يبذله شخص من أجل امتلاك الآخر هو مجهود عبثي , ففي النهاية يبقى الصدق مهما كذبته مخاوفنا و الحب ليس بكلمات و الثقة ليست بوعود و الاحترام في الرقي الحقيقي و معاملة إنسانية الآخر قبل كل شيء, و قد كنت أعرف رغم كل شيء أني امرأة راقية , بحق.

كل ما ملكه هو لم يكن ليلزمني طالما لا يُصدقني و كل ما ملكته أنا لم يلزمه لأنه ليس هو ما سيرضيه  , كان بيننا فارق وقت و فارق منظور مجتمعي ,لقد رأي هو  الحياة بمقاييس  لا تناسبني و قد كنت أنا خارج حدود مقاييسه و لم تكن المعضلة في أن نتوصل لمنطقة وسط , فلا وسطية في حالتنا , لكن المعضلة بالنسبة لي أني كنت لم أزل أعجب به و أحترمه رغم اختلافنا و أثق به أيضا  لأنه كان صادقا رغم أنانيته ,لذا كان الرحيل صعب علي أنا , لكني في النهاية استطعت .

18 نوفمبر 2011

Comments

Popular Posts