أن تكون كاتبا, في مصر!



أن تكون كاتبا, قد يكون اختيارا للبعض, عندما تسوقهم الأقدار إلى مجالات تتعلق بتلك المهنة
لكن غالبا الأمر مختلف بالنسبة لهؤلاء الذين يتفتح وعيهم ليجدوا أن ذلك الشغف يجري بدمهم, و أنه أشبه بجين في حامضهم النووي أو على الأغلب عيب خلقي يصمهم بالاختلاف و الغربة و غالبا نعت " الجنون" الغير مبرر!

أن تكون كاتبا بالهبة, ذلك أمر بإمكانك القراءة عن أثره بأن تختار عشوائيا اسم أحد الكتاب العظام, و تقرأ سيرته أو بعضا مذكراته و رسائله. عندها قد تتخيل حجم المأساة حيث لا يوجد مبرر منطقي واحد لهذا الشغف سوى أنه جزء من تكوين الموهوب.حيث تُلقي الحياة في طريقه كل ما يجعل المعاناة أصعب و تحول الطريق إلى درب من المستحيل, لكنه على الرغم من كل شيء يُبدع و يكتب!

فجزء من كونك كاتبا يتمثل في قناعة خفية و ظاهرة بأن كتابتك تلك لا تقتصر على عصرك الذي اختارت لك الأقدار التواجد به و لا من أجل بلدك الذي تصادف كون والديك يعيشان على أرضه, الأمر يتخطى هذا لما هو أبعد و يتملكك شعور عميق لا مراء فيه بأن كتابتك تلك هي رسالة إنسانية, مما يزيد الأمر مشقة, حيث أنك تجتهد كي تصير كاتبا أفضل لا من أجل محيطك فقط بل من أجل عالم واسع يتخطى حدود جغرافيتك و زمن مستقبلي أبعد من زمن معيشتك.

الحلم و الأمل و محاولات الإصلاح هي مرادفات لا تتجزأ من مفهومك للحياة, مهما تمادت في سوداويتها, لأنك إن فقدت الأمل, إن أقررت بأنه لا رجاء, فهذا انتحار متعمد للمبدع بداخلك, ذلك المبدع الذي يأتي بجديد فقط لأن هناك شمس يوم ستشرق على إبداعه و تُظهر بهاء وهجه فيستمتع به أحدهم.

لذا أن تكون كاتبا في "مصر" تحديدا, في عصر مثل الذي نحياه الآن, ألا يبدو هذا كقبض على قطعة جمر؟!
في بلد يموت فيها الشباب لعدة أسباب, أفحشها و أكثرها وقاحة هو " الإهمال", في بلد متناحرة منقسمة على نفسها, تعاني كل يوم من انقسامات في الرأي و التوجهات لا لشيء إلا من أجل التعصب الأعمى و التكبر الأجوف بصلاحية رأي واحد دونا عن بقية الآراء و توجه واحد مفضل عن جميع التوجهات.

في عصر بلغت قذارة الإعلام فيه منتهاها لدرجة أن منبر الخبر تحول إلى منصة حواة, مُراد كل منهم أن يخرج حية من الجراب!

أن يختارك قدرك لمثل هذا البلد في مثل هذا الوقت و تقبض على جمرة إيمانك بغد أفضل, بمستقبل يعيش فيه جيل تحرر مما بُلينا نحن به و صار أكثر تواصلا مع الإنسانية المفقودة.

أن تعيش داخل خندق و تترك لخيالك و إيمانك و هبتك التي أنعم بها عليك الرب القِياد, كي تُبصر بعين قلبك بصيص نورا يدفعك للحياة, يدفعك للخلق, يدفعك للبحث عن معنى للوجود بينما الموت متربص بك!

أن تحاول فعل هذا بينما أنت على الجانب تواجه حياتك الشخصية بتعقيداتها و محنها و تنكر الآخرون لاختلافك و وصمة كونك فنانا, كاتبا و متفائلا.

أن تكون كاتبا مصريا, و تقرر بإرادة لن تلين, أن الموت قد يأخذك عنوة على حين غفلة لكنك أبدا لن تقطع شرايين روحك بنصل اليأس.



Comments

Popular Posts