شهادة حياة!



يقولون أن إدراكك لجنسك مستمد من تأثير المجتمع عليك , المجتمع هو من يعرفك بهويتك الجنسية , ولد كنت أم بنتا , يحدد لك قوانينه المتعلق بكل جنس و تعتنقها قبل أن تتفتح حواسك على الإدراك الحق لما تكون أنت
أما جنسيتك, عِرقك, لغتك و ديانتك تراهم منعكسين بمن يحيطونك , تتقبلهم قبل سنوات و سنوات من تساؤلات الحيرة وخروجك عن المفروض
لكن الفن , متى يبدأ إدراكك أنك فنان ؟

كنت بالثامنة من عمري عندما داهمتني أول رؤية, أذكرها كأنها الأمس. بيت جدتي لأمي بيت كبير , عدة طوابق, كنت العب مع أبناء خالي دائما في الدور الثاني , و أنا نازلة الدرج ذات مساء , رأيت أول شخصية , ثم عرفت أن الكتابة تأتيني كما تأتي الذكريات كأنه استرجاع أمر واقع بالفعل !

قبل هذا العمر , تزعم أمي أني علمت نفسي القراءة و الكتابة و أني كنت طفلة لم أدخل المدرسة بعد لكني أعشق الفرشاة و الألوان و أقضي الساعات على مائدة الطعام أبسط صحفا أرسم عليها عالما خياليا, فيما بعد قيل لي أني أول ما تعلمت النطق كنت أكلم شخصية خيالية لا يراها أحد اسمه " مجدي" و أني كنت ألعب معه و أحكي عنه حكايات كاملة من الصعب أن يتمخض عنها خيال طفلة في عمري

بالمدرسة تفوقت في الإذاعة المدرسية, في فريق الموسيقى , إلقاء الشعر و التمثيل رغم أني كنت "لدغاء" كما نقول بالعامية , أنطق الراء ياءا , لكني في العاشرة من عمري أدركت موهبة حضوري , رغم ضآلة جسدي و عدم رخامة صوتي , عرفت بأنه بإمكاني إسكات حشد غفير لسماعي , عرفت سطوة الحضور على المسرح و هيبة الثقة بالنفس

في العاشرة من عمري, كنت أكتب قصائد للقمر و أتفكر في سبب الخلق , كنت أرى شخوصا و أكتب في مذكراتي تحليل نفسي لكل من حولي

لم يسلم من عين حياديتي أحد , لم أؤمن بالمطلق و لم يكن هناك شخص أعظم من أن أراه عاريا متجردا من كل ما هو متفق عليه

كنت أعرف أني كاتبة, قبل أن أكتب شيء , كنت أكتب على الجدران , في كل الأوراق , في أرواح من أقابل و عرفت في سن مبكرة أني سأثير في نفس كل من أقابله شعور من اثنين , إما بغضاء و غيرة أو حب و انبهار لدرجة غير طبيعية

كنت منعزلة , لكن بعيوني الواسعة لمعة يتحدثون عنها , و بشخصي قوة يشيرون إليها و أنا أعرف أنهم لا يرونني أنا , إنه انعكاس عالمي  الذي يطل من مقلتاي و كانوا يأتون إلي كي أكتبهم , يعترفون لي بما لا يعترفون به لأقرب المقربين , و أخبرهم أشياء و يثقون بقولي.

لكن كلمات كثيرة عن اختلافي وضعت بيني و بين العالم حواجز, لا أكف عن الثرثرة , لكني لا أمل وحدتي أبدا , غريبة وسط كل البشر حتى من هم دمي و حولي عالم بأكمله لا يفارقني و لا لحظة, و أرى الحكايات كما الذكريات و كأنه عالم قائم بالفعل له زمن مضى ثم يسترجعه قلمي.

و العالم الحقيقي ممتد أمام بصري, الحظ فيه ما يغمض عن المحيطين و أتحدى قدري كل مرة باختلافي الغير بادي , فلي ملامح بريئة و طباع مطيعة

لكن بداخلي شهوة لا تنطفئ للمعرفة , طفلة بداخلي لم تفارقني , تتقافز فرحة لكل معلومة و كأنها الأولي , تجذبني خلف تساؤلاتها لعوالم آخرين يشبهونني قضوا عمرهم يكتبون صحفا تناقلتها الأجيال بعدهم

و كمن يتلقى رؤية , تلقيت مصيري صاغرة , أنا لا أكتب للتعبير عن نفسي , أنا لا أكتب من اجل التمرد , أنا لا أكتب من أجل تجسيد مشاعري, إنني أكتب من كل تلك الأشياء متجمعة و أكثر , إنني أكتب و كفى!

و مثل جميع المبتلين بتلك النعمة المُشقية , واجهت و لم أزل أواجه كل تلك الصراعات الأبدية , من تساؤلات محمومة و مصير إنساني متفرد و صرت ألقى الكُره الغير مبرر بعدم دهشة و الإعجاب المحير بصمت.

و ازدادت العزلة و لم يخفت همس العالم الآخر , و الغربة لم تزل قدر , و الغرباء لم يزلوا يعترفون , و عشق المعرفة صار إدمانا و أقسمت على نفسي ألا أغيب عقلي لحظة , و بررت بالقسم

أتلقى الألم و الفرح مفتوحة العينين , و كلما كبرت عمرا صار عالمي الآخر أكثر وضوحا , و صار من يقترب أكثر حيرة , و كأنه يقبض على سراب , و صارت الكتابة هي حقيقتي الأكثر ثباتا .

فلقد تضاربت حولي الآراء و الأقوال , و لم يصدق شخص واحد فيما ظن عني , فانا في خلوتي لا يرافقني إلا من أثق به, و لا أكتب ما يحدث بالفعل أبدا.

كتابتي اختلط فيها كل شيء , و صرت أنا و شخوصي كأننا من أصل واحد ,  و هانت الدنيا و ما فيها من كثرة توالي الخطب و لم يعد يهم أن أكتب من أجل الحصول على إقرار قارئ.

و لم يعد يهم شدة اختلافي , لقد كنت سيدة تكتب ثم صارت الكتابة سيدتي , و أنا و شخوصي و الحاضر و الماضي و ما يأتي و كل ما أبصره في أرواح الخلق , مجرد ذرات في كيان كون سرمدي , ينتهي ليبدأ من جديد .

 وحدها الكلمة لها كل السطوة و لا مهرب, بها نصبح مرئيين!

11/6/2013
الأسكندرية 
مصر

Comments

Popular Posts