لا تُقسموا بهذا البلد.


أتى ذكر العنصرية والأحكام المجحفة على الأفراد لأسباب مادية ومجتمعية فقط، فقلت له أننا ننتمي لشعوب تحكم على الأمور بفكر غير حيادي أغلب الأمر، وتطال العنصرية كل أمور الحياة حتى الزيجات التي هي أشبه بصفقات مادية، رغم أن مستوى العائلة المادي والإجتماعي أو لقب العائلة المكتسب بالوراثة لن يفيدوا في إنجاح علاقة بين زوجين هما نتاج كل تلك العوامل التي تهتم مجتمعاتنا بالسؤال عنها، بينما نجاح علاقتهما في النهاية قائم على توافقهما شخصيا ومدى رغبتهما في إنجاح العلاقة 
كنت أسخر معه من مجتمع محكوما بعدم التسامح، معتزة بأني عشت وفقا لقناعاتي ومبادئي ولم أزل أتنزه عن شر النقد واللوم والشماتة والتفاخر والمكابرة.
فأخذت من الدنيا أطيب ما فيها ولم أزل ولله الملك والحمد.
توهمت أني بمعزل عن سفاهات المجتمع الذي لم يأخذ من الدين تسامحه وتجاهل أمر الله بعدم السخرية ولا التنابز بالألقاب، فسخر وعاب وسب كل من يختلف معه.
مجتمعي العنيف جداً، اعتزلته وخلقت لنفسي عالم آخر بعيد عن العنصرية والتطرف كيلا أقضي ما بقي من عمري في صراعات لا طائل منها.
لكن تجاهلنا للقبح لا يخفف أثر بشاعته، ومهما غضضنا الطرف عما يحدث فإن القلب يُبصر ويعتصره الألم.
ففي مصر، بلدي، لم يفقد البشر حسهم الإنساني تجاه الأحياء فقط بل امتد للأموات أيضا!

فقط في مجتمعي ويا للعار، يلوم الأحياء الأموات على موتهم!
 بين أهل مصر، تشهد في الموت شامتا وناقدا ومعيبا وكأنما لم يعد لنا هم سوى إثبات صحة معتقدنا السياسي!
ويتمنى بعضهم لبعض الهلاك ويلعنون بعضهم البعض وكأنما كل فريق هو فريق الرب المختار، وفي فناء من عاداه صلاح أحوال البلد!
لقد كفر المصريون بتعاليم الأديان السماوية، وأسس الفطرة الإنسانية 
واعتنقوا دين السياسة، ونصبوا من الساسة آلهة، لا فقط من حكموا ولكن أيضا من لم يصلوا للحكم!!
لقد رأينا وعشنا العجب في مصر عندما صار رأي المصري السياسي أهم من رأي الحكمة وأعلى صوتا من حديث المنطق
لم يعد في بلادنا منطق 
ولم تعد عنصريتنا تتجلى فقط في الأمور الحياتية وشئون الأسرة والزواج والتفاخر بالأموال والألقاب وقوة السلطة
لقد أُبتلينا بعنصرية تثير الغثيان، عنصرية مطلقة ضد كل إختلاف
وصرنا نتبارى في الحكم على أي أمر بحدة وعنف، والأبشع أننا صرنا نتجادل حول الموت، ونسينا الرب فأنسانا أنفسنا وبلغ بنا الصفق أن نقرر من استحق موته ومن لم يستحق!
لم نعد نخشع لشيء ولم يعد هناك حرمة لشيء
حتى هتك العرض نلوم فيه المنتَهكة قبل المُغتصب!
لقد عشت تلك الأيام بنفسي وهذا قدر!
أيام يسأل فيها الحي، عن الميت، لماذا ذهب إلى موته؟!
ولا يرد أحد متسائلا، لماذا لا تتمنون للأموات الرحمة، أم أنكم لا تعرفونها؟!
كل شامت ولائم وحاكم يتحدث باسم هذا البلد! مؤكدا أنه بهذا يريد خيرا لهذا البلد وعدلا لهذا البلد!
ويا حسرتنا إن كان صوت العنصرية هو صوت الحق المزعوم.
في مصر سيحكم عليك المجتمع حيّا أم ميتا، ولا عزاء للإنسانية 
وفي زمن شح فيه التصدق بالكلمة الطيبة، صار الصمت صدقة.
لذا إن كنت تؤمن بأننا نقابل رب في يوم آخر، إن شاهدت مقتولا، فلتقل خيرا أو لتصمت.
اصمت، فإن لم يضر الشاه سلخ بعد ذبح، فلم يزل هناك من الأحياء من تتأذى إنسانيته التي لم ينتهكها بالكامل بعد، أهل هذا البلد.

Comments

Popular Posts