قرابين منسية عند سفح الجبل







قرابين منسية عند سفح الجبل
قراءة في رواية "فساد الأمكنة"
أميرة الشربيني

عندما سُئلت عن سبب عدم إشارتي إلى ما أمر به في حياتي من خلال كتابتي رغم كون الكُتاب أكثر تأثرا بالأحاسيس التي تصاحب الأحداث مما يجعل التعبير كتابة عنها أمر لا يُقاوم.

وجدتني أجيب سائلي، بأني أظن أن هناك من يكتب من وحي الشعور وهناك من يكتب بدافع الفكرة وقد يميل البعض أن الروائيين يندرجون تحت القسم الأول بينما ينحصر المفكرين في خانة القسم الثاني لكن هذا غير صحيح في المطلق، بعض الروائيون يكتبون بدافع الفكرة ويستحضرون الشعور أو يماثلونه في سبيلها، وأنا أحسب أني واحدة من هؤلاء.

قد لا يشكل الشعور الخالص دافعا ملحا للكتابة بالنسبة لي لكن أي شيء قد يوحي لي بفكرة!

هذا الحديث هو ما استرجعته ذاكرتي وأنا أخطو بشغف نحو النصف الثاني من رواية "فساد الأمكنة" لصبري موسى
في النصف الأول من الرواية، بدا لي أن المكان هو الملهم الأساسي لفكرة الرواية.
فلقد سيطر المكان على الوجدان، حيث الصحراء والجبال ونيكولا الملعون بالذنب واجترار الأحزان.
تكاد تبصر المكان من خلال لغة تُعد في رأيي الشخصي استثنائية, حيث صاحب ذكاء اختيارات صبري موسى للمرادفات, أسلوب ثري بجمال لغوي دون تعقيد أو مبالغة.

في مقدمة الرواية تعرف أن الكاتب قد أقام بالصحراء لما يقارب العام, من أجل التهيؤ لكتابة روايته التي همس له المكان بوحيها قبل تلك الإقامة بثلاث سنوات عندما زار المكان خلال رحلة.

المكان هو جبل الدرهيب بالصحراء الشرقية قرب حدود السودان, ولقد استطاع الكاتب بمقدرة متمكن أن يستخدم كل أدواته لنقل قارئه بقلب الصحراء, وكم كان جليا أثر الطبيعة على نفس "موسى" أن كدت تستشعر بين أوراقه لفح شمس الصحراء وفحيح أفاعيها.
كقارئة عاشقة للفصحى البهية، الغنية، جذبتني الرواية في البداية أسلوبا أكثر مما جذبني الغموض لعقدة الحكاية.

ثم يظهر بمشهد الرواية ملك مصر السابق "فاروق" فتتجلى الفكرة المحركة للرواية,حيث استخدم الكاتب مكان غير تقليدي بمصر مشيرا إلى كنوز غائبة عن الأذهان يحويها هذا الوطن ويغتصب حق سكانها الأصليين فيها كل من الملك وحاشيته لصالح الأجانب.
في رأيي كتب "موسى" بدافع الفكرة واستغل كل العناصر في سبيلها، وبراعته لا تُنكر، لكن بالنسبة لي كنت أفضل لو لم يدرج الملك فاروق في الرواية وهذا رأي شخصي غير حيادي، دافعه اعتقادي بأن قَص حكاية محددة عن شخصية تاريخية بعينها إن لم يكن مسندا ببراهين تاريخية أو حتى إشارات، يفسد على الخيال المحض جمال رحابته، ويدخل بنا في سياق التقول أو التلفيق.

كتبت الرواية في نهاية الستينات, ولا أعرف إن كانت الرواية قد بنت على حكاية سمعها, أم أنه تخيل خاص, لكن الحقبة الزمنية وأفكارها لها قطعا تأثيرها, وهو أمر منوط للكاتب, لا دخل لنا في تصوره لأحداث روايته.

لذا فإنه وبغض النظر عن تلك الجزئية, فإن الرواية خلقت عكست حقائق عن الحياة والبشر في صورة حادة تضاهي عنفوان الطبيعة البكر التي دارت الأحداث في أرجائها.

حيث الطبيعة كما الفطرة الإنسانية, قد اغتصبت وشُوهت, وكل فساد اقترفه الإنسان انتهى إليه. والمكان هو السيد مثله مثل ذلك الجبل الرابض المطل على الأقدام المنسية التي تدب على سفحه, منهم من ذهب إليه مهاجرا مرتحلا ومنهم من ذهب إليه طامعا في كنوزه ومنهم "نيكولا" الذي أمل أن يصير المكان مملكته حتى اغتصب الملك شرفه فأفسد كل شيء!

"نيكولا" ومأساته التي تشبه مآسي شكسبير الدرامية, ويده الملطخة بدم نسله, وأشباح هذيانه وجموح أحلامه, كل هذا مجتمعا سينقلك إلى عالم آخر, فيه الطمع هو المبتدى والمنتهى, والمكان إن فسد بدنس أفعالنا, لن يطهرنا تغيره فكما يقول بالرواية “ما فائدة الرحيل يا نيكولا ما دُمت تحملُ روحك معك



Comments

Popular Posts