بوتكس للروح



عادة لا أتفرج على فيلم أحبه عدة مرات حتى أحفظه, ولا أقرأ كتاب أكثر من مرة.
النسيان أحد صفاتي الغير محببة لكني لم ألجأ للتكرار لتخطى تلك الصفة, تعايشت معها بأن تقبلتها كنعمة, فعندما أشاهد فيلما جيدا بعد سنوات أكتشف فيه تفاصيل لم أكتشفها قبلا أو أعيد قراءة فقرات من كتاب بمكتبتي, أراه بعيون مختلفة لأني شخصيا قد اختلفت, فأستمتع من جديد.

فيما يتعلق بأنماط الحياة عندي حساسية زائدة تجاه احتمالية أن أكون احد هؤلاء الذين يعيشون حياتهم في ظلال مقولة "اللي نبات فيه نصبح فيه"
هلع يصيبني إن تكررت شكواي من أمر عدة مرات, ويسيطر علي هاجس أني يجب أن أتصرف, عقلي مصمم في اتجاه البحث عن فعل يغير الوضع الراهن إن كان ذلك الوضع يستلزم التغيير.

اعرف أني أكره التكرار, لكني مؤخرا اكتشفت أن بين حنايا وجداني, هناك عادة مذمومة لا يعترف بها عقلي الواعي.
عادة قد أكون ورثتها عن محيطين لا يكلون إعادة الحكايات, نفسها كل مرة, بلا هدف محدد سوى التذكير وغالبا ما تكون تلك الذكرى أمر يجلب طاقة سلبية لا داعي لها, ستفسد اللحظة الراهنة البعيدة كل البعد عن ذلك الماضي.

الحمد لله أني لا أستعيد اللحظات الماضية ولا الأحداث, على العكس غالبا ما أنسى لدرجة  تخيفني أحيانا أن افقد ذاكرتي تماما عند تقدم العمر,  لكن بعض أراوح البشر تلازمني مثلما تلازمني شخصياتي, وهم بشر لم يلعبوا أدوارا محورية بحياتي ولم يؤذوني, وخرجوا تماما من حياتي لأسباب متعددة.
 يذكرهم عقلي الباطن بشكل دائم دون أن أتحدث عنهم أو اكتب عنهم أو حتى أشير لشخوصهم الماثلة من قريب أو بعيد!

التعايش مع شخوص في خلفية عقلي هو أمر معتاد لي ككاتبة.
طوال الوقت هناك عالم موازي يرافقني كجزء مني لأنه بالفعل جزء مني.

لكن تلك الشخصيات الأخرى هي شخصيات حقيقية لعابرين, اختاروا الانسحاب من حياتي أو لفظتهم الظروف خارجا, اليوم اكتشفت أنهم لم يغيبوا ولو للحظة, ولم يعجبني هذا الاكتشاف مطلقا!

التحرر الكامل من الماضي بمشاعره يعني أن تقطع بيدك كل خيط يشدك إليه مهما كان رفيعا وغير مرئي.
تلك الأيام أنا أقسم كل أشيائي بين صناديق وحقائب, لكني اكتشفت أن هناك متاع آخر خفي, يجب علي تقسيمه والتخلص من الزائد عن حاجتي منه.

على الرغم من صفة التبدل اللصيقة بأحداث حياتي, إلا أني شخص يؤمن بالثبات والاستمرارية فيما يتعلق بالأشخاص, الشيء الوحيد الذي لا أسامح فيه مطلقا هو معرفتي بأني كنت بالنسبة لشخص مجرد مرحلة!

البشر هم أغلى ما أعرف, هم القيمة الحقيقية بالحياة, بالنسبة لي, لذا فإن ذلك النوع من الاستهانة بتلك الحقيقة الإنسانية هو أمر لا يغتفر مهما حاول ذلك الشخص فيما بعد أن يستعيد ثقة لا تعود إن سحقها غباء الأنانية.

الود والمحبة هي أمور ثابتة, قد تتغير طرق تواصلنا وغالبا ما تجبرنا الظروف على التباعد, لكن خسارة البشر تماما هي الخسارة التي لا تعوض.

لكن هناك من خسرت تماما رغم عن إرادتي وهؤلاء هم المتاع الزائد كثقل على كاهل الروح التي تنشد التحرر.

لقد آن أوان قطع كل الخيوط, وحرق كل الدفاتر القديمة, ليذهب كل السوء إلى غير رجعة.

الأمور الجيدة التي منحتنا البهجة, لا تضيع, فلقد عاشتها الروح بالفعل وطربت لضحكاتي العالية من أجلها.

السوء يوخز بالقلب عندما نذكر الراحلين, الذين كانوا هنا ولم يعودوا.

الغريب بالأمر, أن ذاكرتي الانتقائية تمحي تماما هؤلاء الذين كانوا محوريين بحياتي إن كانوا قد آذوني, لكنها تسمح بتسلل البعض إلى عقلي الباطن!
على الرغم من أنها عندما تُسقط أحداث وأشخاص, تمحيهم كأنهم لم يكونوا, كرد فعل فطري للروح عندما تتجنب استحضار ما سبب ألم.
أجلس اليوم بين صناديق وحقائب لأكتشف أن بابي الموصد المنيع بوجه كل ما كان جسيما, سمح لأشياء بسيطة بالتسلل من عقب الباب!

تتعجب صديقة من رغبتي في التحرر الكامل وتسألني إن كنت أود أن أصير امرأة بلا ذاكرة, فاخبرها أن التحرر لا يعني إسقاط ما عشنا لأننا قد عشناه بالفعل ولقد رسم علاماته علينا وغيرنا, ذكرناه أم تناسيناه, أنا فقط ابغي روح أكثر حيوية وشبابا.

ألا تدفع النساء أموالا وقدر من المخاطرة كي تمحي علامات تقدم السن, أو تصغر أنف لا يعجبها؟! ما المانع أن أجدد ملامح روح, لا تستحق أن تسقط في فخ تكرار ما لن يفيد.

أنا لا أنشد النسيان التام لأنه أمر غير طبيعي, وأوراقي التي حوت ملامح وجوهي المتعددة لا أتنكر لها مهما خجلت من حماقاتي السابقة.
لكن محيط أرحب, سيمكن نور الشمس من شغل مساحات أكبر, والنور جميل ومجدد, ومُحيي, كترياق.

Comments

Popular Posts