رحلة العائلة غير المقدسة - رحلة روائية في سبيل تقديس الإنسانية



رحلة العائلة غير المقدسة
رحلة روائية في سبيل تقديس الإنسانية
كتبت أميرة الشربيني

يبدأ عمرو العادلي روايته الأخيرة "رحلة العائلة غير المقدسة" على لسان طفل, تمسكه أمه من يده وتخطو به نحو بيتهما بينما يصف الطفل المنساق ناحية مكان لم يختره للمعيشة مع أم لم يخترها لكن في اسمها دلالة مؤكدة, "عائشة" أو "عيشة" كما ينطقه الناس وينادي عليها أبيه.

في بيت مدفون بين بيوت عدة في أحد عشوائيات القاهرة, حيث يعيش أناس سقطوا تحت حاجز الفقر ولا يحس بهم أحد, يُرينا "العادلي" من خلال لغة روائية ثرية بوصف التفاصيل, ما لا نراه وما نتعفف عن رؤيته.
بشر يأكلون من القمامة وتمضي بهم الحياة كرحلة لا يبلغون فيها المنتهى سوى بشق الأنفس, ولا يغيب عليك عفة أنفسهم وصبرهم على ابتلاءات القدر رغم صعوبة الحال.

"عيشة" الأم المصرية التي تتحايل على المعايش وتشكل وتد البيت عاري السقف, متهدم الجدران, هي شخصية رسمها الكاتب ببراعة وجعل منها بطلة الحكاية, حيث طفلها يرقب صبرها وحيلتها في مواجهة واقعها, ومحاولاتها المستميتة لتوفير احتياجات أسرتها التي تتضمن طفل معاق وعجوز يعتبرونه جدا بينما هو عم هبط عليهم وقاسمهم رزقهم الذي لا يكفيهم لكنهم بالكاد مستكفين.
الرواية التي لا تلتزم بالنمط التقليدي من تتبع تصاعد الحدث أو حل عقدة, تلقي بعدسة مهجرية على أسرة بسيطة مهمشة, عقدتها الحقيقية بالحياة هي صراعها من أجل البقاء, وأزمتها تتجسد في فقد المسكن.

لذا فإن البقاء الذي تصارع من أجله الأسرة المتمثل في توفير أساسيات الحياة لا رفاهيتها, بل هو الحد الأدنى من تلك الأساسيات, وهو عقدة جليلة لمن لا يعلمون, لذا فإنك إن تأملت الرواية بعين إنسانية ستجد فيها لوحات زاخرة بالتفاصيل لمن يعتبرون, هامشيين في عالمي الواقع والرواية.

جرأة تُحسب لعمرو العادلي, أن يثابر على نقل صور المُسقطين من حساباتنا, وأن تبدأ الرواية وتنتهي على لسان طفل هو الرواي والشاهد على المكان والحدث.

سيطرة المكان على المشهد الروائي في تلك الرواية بدا منطقيا, حيث نقل القارئ إلى أدق تفاصيل المكان كان لازما للشعور بالأبطال وحالتهم, وكانت براعة الوصف هي أحد نقاط قوة الكاتب الهامة في مثل ذلك النوع من الروايات.

سلط الكاتب الضوء في عدة لمحات على حقيقة أن بعض الفقراء جدا مثل "عائشة" لا ينقصهم كبرياء التعفف, وكشف عن أمنياتهم الدفينة في أن يحظى أبنائهم مستقبل أفضل, فالأم التي تنبش في القمامة من أجل قوت أولادها ترفض بحدة أن يلتقط الابن كومة ملابس ملقاة على جانب الطريق وإن بدت كالجديدة, وكأنما تدفعه لا شعوريا نحو الطموح بمستقبل أفضل وهي فطرة غريزية عند كل أب وأم أسوياء, فابنك هو الشخص الوحيد الذي تريد رؤيته أفضل منك.

"عمرو العادلي" كما يظهر في تلك الرواية مغرم بالتفاصيل, بارع في نقلها إلى القارئ, ولقد أمتعتني لغته وصور تفاصيله شبعت حواسي, حتى كدت أتنسم رائحة المكان لا أن أراه فقط.

تنتهي الرواية بحديث الراوي عن نفسه قائلا:
"كنت دائم الشعور بأن هناك عين كاميرا غير مرئية تتلصص علي, تراقبني وتتابع تصرفاتي من بعيد, ثم تنتقل بانسيابية وتتسلط على غيري, تهملني قبل أن يهملني العالم ويطويني النسيان. لو أن أيامي نثرت كأوراق الكوتشينة, سأفشل في محاولة إعادة ترتيبها بشكل صحيح, فكل الأيام تصلح لتحل محل أيام أخرى. كلها تشبه بعضها إلى حد كبير."

في رحلة روائية سلط كاتب الضوء على أيام قد تبدو كأصحابها ينقصها إثارة التميز, في سبيل تقديس الإنسانية التي تنعكس بوضوح في تفاصيل حياة العاديين.

Comments

Popular Posts