مصر على الصليب



لم أقنع قبلا بتغيير صورة البروفايل دعما لقضية ما أو شخص ما، ولا أقلل من دوافع من يفعلون هذا دعما لقضية يؤمنون بها، كل شخص حر في طريقة تعبيره عما يؤمن به.

ربما طمحت برومانسية من يحلم بتغيير العالم ليصير مكانا أفضل بطرق أكثر فاعلية، مثل تغيير القوانين ومحاسبة المخطئ بصرامة، يعز على أن يكون أقصى قدراتنا هو تغيير صورة صفحة افتراضية، فلا يُفعل ما نتمناه قانونا ولا ينظر قاضي لاستيتوس قبل إصدار حكم.

عندما أواجه الأمور العامة، وخاصة في مصر، تبدو الاحباطات غالبا أكبر من قدرتي الشخصية على إحداث تغيير فعلي، وفي معظم الأحيان أعتزل الجدل أو أصمت لقراءة الحدث بشكل غير انفعالي، وقد يصيبني الحزن بقهر يصعب وصفه، لكني لم أغير صورة بروفايل، فقط أكتب وهو أضعف الإيمان.

ثم حلت أحداث قرية “الكرم” وقرأت عما فعله شباب يدين بالولادة للإسلام بامرأة مسنة مسيحية، حيث جردوها من ملابسها وشهروا بها. تلفت حولي لأجد استيتوس تندد وتعترض، وأحاديث حول الفتنة الطائفية ووضع الأقلية المسيحية بمصر، لم يغير أحد صورة بروفايله، بينما تمثلت لعيني خلفية سوداء بلون الحداد كما نعرفه بمصر، وصورة الصليب رمز الدين المسيحي، الصليب وحده دون معانقة رمز إسلامي.

فلقد بدت لي صورة الهلال مع الصليب كرمز للوحدة الوطنية، صورة مبتذلة، لأنها في ذلك الموقف تحديدا ورقة توت لن تداري أيا من سوءاتنا.  لم يعد هناك مناص من الاعتراف بكون العنصرية الدينية قد استشرت بين أرجاء مصر، وهي عنصرية شاملة لا تقتصر فقط على عنصرية تجاه المصري المسيحي، ولكنها وللأسف متواجدة حتى بين المسلمين أنفسهم.

في السنوات الأخيرة من عمر مصر صارت لغة الكره وعدم التسامح هي اللغة الغالبة على الحوارات ما بين أفراد المجتمع.. على صفحات التواصل الاجتماعي وفي النقاشات الشخصية، صار من المعتاد أن تسمع عبارات من نوع تمني الهلاك لفئة على لسان فئة مقابلة، أو تمني الخراب لأهل مصر جميعا دون استثناء! هذا غير السب بأقذر الألفاظ والقذف والكره الصريح دون مواربة، وما يؤلمني على الأكثر هو الشماتة في الموت والجهر بها، إن كان المقتول من فريق مختلف عن فريق الشامت!

تلك الأفكار والأقوال التي تبدو تنفيس عن غضب أو تعبير عن وجهة نظر، ما هي إلا انعكاس لخلل نفسي مجتمعي واضح، ولم يعد هناك بد من الاعتراف بأننا مجتمع عنصري، لا متسامح وغير إنساني.
مشاعر التعاطف، والتفهم، والمحبة قد تضاءلت لدرجة التلاشي، بجانب طاقة كره ضخمة تسيطر على الجميع.

الرفض المجتمعي في مصر تعدى لغة الحديث وتطرق إلى شكل من أشكال العنف غير المسبوق، وهنا يتمثل الخطر.

الإنسان إذا ما تجرد من إنسانيته ولعنه الله، بأن نزع من قلبه الرحمة، اقترف ما هو أبشع من القتل، فالقتل راحة للميت، لكن التنكيل، التعذيب، التشهير، الإذلال والتشويه، هي أفعال تُبقي على الضحية حية كي يتلذذ المجرم بتعذيبها وهدم الرمز الذي تمثله، بينما تتمنى الموت ألف مرة ولا تطاله بيد معذبها.

وهذا كان الغرض مما فُعل بالسيدة المسنة المسيحية بقرية الكرم بالمنيا. وتمثل الصليب لعيني وأنا أقرأ ما فعلوه بها، لا لكون السيدة مسيحية، ولكن لكون الصليب هو رمز ما لم يزل يحدث باسم كل دين وفي حق كل دين، دون استثناء.

الصليب الذي لا ترى فيه سوى تمييز لمسيحي عن مسلم، ما هو إلا تذكير بأن جماعة قد تآمرت لصلب المسيح وتعذيبه والتنكيل به وسط حشد، وكل مسمار دق في الجسد واخترقه حتى نفذ من خشب الصليب، وكل قطرة دم نزلت فهلل لها الباغون، والجسد المعذب المصلوب أمام أعين الشاهدون، كل تلك التفاصيل ما هي إلا تمثيل لقصة واحدة عشناها ولم نزل نعيشها، قصة يحكمها الاضطهاد والعنصرية والكره وغياب رحمة الله من القلب إن نصب الإنسان نفسه إلها وحكم ثم نفذ الحكم.

وسواء كنت مسلما تؤمن أن المسيح نفسه ليس هو من صُلب، أو مسيحيا مؤمنا بأن المسيح قد ضحى بنفسه وصُلب للتكفير عن خطايا البشر، فكلاكما لم يختلف عن أن المسيح قد أتى بخير وسلام، فرفضوا ما أتى به وكفروه، ثم تآمروا عليه، واجتمعوا لإسقاطه والتمثيل بجسده.
لا يختلف مسلم أو مسيحي على بشاعة نية مرتكبي الفعل والهدف الوحشي المحرض على عملية الصلب.

الصليب ليس برمز ديني فحسب، الصليب هو تمثيل حي لجريمة تُرتكب كل يوم وارتكبت من قبل، ولم يزل أثر حكايات الأولين مخطوطا بين صفحات كتبنا.
فرعون الذي قطع أوصال السحرة، وقريش التي عذبت المسلمين الأوائل وتآمروا لقتل النبي فهاجر، ونيرون الذي عذب المسيحيين الأوائل، وغيرهم مما ذكر التاريخ، ولم يذكر.

كيف وصلت مصر إلى ذلك الدرك الأسفل من الهلاك؟  كيف تحولت دولة كانت يوما مستقرا آمنا لأجانب ويهود، إلى وطن ممزق بين مخالب وحشية العنف العنصري؟

إجابة هذا السؤال مفردة بين صفحات التاريخ، وكلنا نعلمها، فلقد عشناها ولم نزل نعيشها. لقد أخرجنا من مصر كل مُختلف، ثم التفتنا لبعضنا البعض وبدأنا إصدار الأحكام المطلقة، خصوصا فيما يتعلق برضا الله والجنة والنار.. لقد غابت الثقافة وخرب التعليم وانتشرت افتراءات هؤلاء الذين يتوهمون أنهم قد اتخذوا عند الله عهدا واصطفاهم بمعرفته عما سيقرره بشأن كل شخص، وأمثال من تعدوا على السيدة المسيحية لا يقرأون ما نكتب هنا ولا يسمعون لتعاليم التسامح التي هي أساس كل دين.

ما حدث لا يعكس أزمة طائفية فحسب، بل هي أزمة مجتمعية واضحة.  وآن لنا أن نواجه أنفسنا بصدق، لأن الأذى الذي وقع على مصرية مسيحية هو أذى إنساني، لا يحدث سوى في مجتمع قد تشوهت معاييره الإنسانية.  وفي ذلك الحدث بداية ما يخشاه العاقل على مصر, فإن كانت هيبة القانون لم تعد رادعا  للغوغاء, ففعلوا ما أرادوا دون خوف من عقاب, وإن كانت العنصرية قد استشرت بين ربوع ذلك البلد, فاعلم أن قانون الهمج قد ساد, والأمل الوحيد الباقي في الجهات القانونية بأن تتنبه لأن هذا الحدث هو دلالة أن كل ما قد عاصرناه من إفساد وتلاعب بالمفاهيم الدينية لمصالح سلطوية وسياسية قد نتج عنه وحش لا إنساني، قد يفقد السيطرة عليه حتى من خلقه, وعندها مصر نفسها هي التي ستُصلب تكفيرا عن اشتراك الجميع فيما حدث لهذا المجتمع من إفساد إما بالاشتراك فيه أو بالاستسلام له, وعندها ستحل حقا اللعنات التي يتمناها كلٌ فريق للآخر على وطن لا يستحق سوى الخير.
فليرحمنا الله جميعا، فنحن لم نرحم أنفسنا.



Comments

Popular Posts