ما أدين به للكتب


ما أدين به للكتب
كتبت أميرة الشربيني




تأتيني الابتسامة قبل أن يتوقف المترو بمحطة Metro Center وأغادر مسرعة عند فتح الأبواب مع الجموع التي تتحرك بسرعة وأتوجه ناحية مخرج الشارع رقم ١٣ وبمجرد أن يرتفع بي السلم الكهربائي ويتسرب إلي ضوء الشارع, تتسع الابتسامة... أنا ب "واشنطن العاصمة"!

أظن أن للمدن أرواحا مثل البشر، بعضها تنجذب إليه وتتآلف مع وجودك به والبعض تنفر منه ومدن أخرى تتشابه في وهن تأثيرها عليك.

منذ أول خطوة خطوتها بشوارع "واشنطن دي سي" شعرت أنها احدى مدني المفضلة التي قد يسعدني أن يكون لي بيت صغير بها.

لم أستمع أبدا إلى أغنية العظيمة فيروز "بيت صغير بكندا" لكني عرفت بحياتي عدة يحلمون ببيت صغير بكندا وقد سعوا في اتجاه حلمهم.

وقتها كان لي بيتي الصغير بالإسكندرية، المدينة الأقرب لقلبي ولم أحلم أبدا ببيوت أخرى في أي مكان.

حتى بعد المنحة الدراسية التي فزت بها، كان السفر بالنسبة لي قرار يستدعي التريث، لم أكن ممن يحلمون بالسفر أو الهجرة. وقد قالت لي صديقة مستنكرة (سافري وشاهدي العالم عندها سيتغير منظورك إلى مصر)، فأجبتها بأني راضية بمنظوري الحالي وأني لا أريد ذلك التغير.

سافرت ولم تتغير مشاعري تجاه مصر ولا منظوري تجاه الأشياء، لكني أحببت العِلم و الدراسة بأمريكا ووقعت في غرام واشنطن لأسباب عدة، أهمها الذكريات الجميلة التي منحتني إياها تلك المدينة.

ما تثيره بنا الأشياء، الأماكن وحتى الأشخاص من ذكريات هو العامل الأساسي في العاطفة التي نشعرها تجاههم.

و "واشنطن" هي المدينة التي خطوت بها أولى خطواتي الفعلية تجاه ما أعرف أنه هدفي الأساسي بالحياة. 

بالكتب التي تتحدث عن الأحلام والنجاحات والكون، هناك نظريات تشرح "قانون الجذب" مفترضة أن الكون يستمع إلى أحلامك ويحققها لك وأن كل ما يحدث من إيجابيات وسلبيات بحياتنا ما هو إلا ناتج لما جذبناه نحن باتجاهنا.

ولو كان هذا الأمر صحيحا فإن اللحظة التي حلمت فيها بمشروع يتيح توفير الكتب والقراءة لفئات بعينها من المجتمع، وأنا سارحة بأفكاري بقطار ما بين القاهرة والإسكندرية في عام ٢٠١١ قد تُعتبر الرسالة التي تلقاها الكون أو بالأحرى -وكما أؤمن- الله القدير، وبدأ في تجسيد تحققها في عام ٢٠١٣ وأنا أخطو ناحية شارع ١٣ بقلب واشنطن على بعد مسافة بسيطة جدا من البيت الأبيض كي أجري مقابلة عمل ب منظمة الكتاب الأول الخيرية First Book
والتي تتخصص في إيصال الكتب للأطفال المحتاجين بأمريكا.


كانت First Book هي المكان الأمثل لي. أنا التي تحب الكتب وتؤمن بأهمية القراءة وتعيش عمرها كتلميذة أبدية في محراب العلم والحياة.

سألتني الإنسانة الرائعة ومديرتي المباشرة فيما بعد Kalena عن سبب رغبتي بالعمل معهم، فأخبرتها أني أدين للكتب بكل ما أنا فيه اليوم.

ولم تكن تلك عبارة استهلاكية أهدف بها إلى إثارة إعجاب من أجل مقابلة عمل.. تلك هي الحقيقة فعلا.
للكتب أنا مدينة بكل ما قد يرى فيه الآخرون تميزا.. بحبي للمعرفة، وتفوقي الدراسي على الرغم من ضعف ذاكرتي القاتل وبُطئي الذي لن يتصوره عني من لا يعرفني من مقربة.
وكم من النجاحات الشخصية الصغيرة لكن العظيمة الأثر بالنسبة لي قد حققتها بفضل حقيقة أن الله قد أنعم على بأم دعمت حبي للقراءة والكتب.


لأن القراءة عادة تستلزم الصبر وتهيئ العقل للتفكر، وممارستها بشكل مستمر يضفي على شخصيتك سمات معينة، تظهر عليك جلية بمرور العمر. وهذا أمر قد تتأكد منه إن دققت في سمات قارئ نهم تعرفه بشكل شخصي. 

عندما كنت أركب المترو من فيريجينيا لواشنطن، وأرى كل من حولي يمسك بكتاب أو "كندل" ليقرأ، كنت أشعر أن مفهوم أهمية القراءة والكتاب يجب أن ينتقل من البلاد المتحضرة إلى بقية العالم.


وتلك القناعة التي تؤمن بها أيضا مؤسسة وصاحبة منظمة الكتاب الأول Kyle Zimmer

ومن أجلها هجرت "كايل" المحاماة منذ ٢٥ عاما من أجل أن تبدأ منظمة غير هادفة للربح تسهل على الأطفال الحصول على كتب. على الرغم من أن المحاماة بأمريكا هي المجال الأعلى أجرا ووجاهة، يتبعها أو يوازيها المجال الطبي.

وبعد سنوات من نجاحات منظمتها بأمريكا، والتوسع بكندا، وافقت رغبة "كايل" في التوسع عالميا وخصوصا بمنطقة الهند والشرق الأوسط، رغبتي الشخصية في المشاركة ولو بقدر يسير في الدور الذي أؤمن أنه الأهم بالنسبة لأي مفكر وكاتب. فتقاطع طريقانا وتوافقنا.

كان عملي المتواضع مع المنظمة على مشروع كلينتون العالمي وعلى بحوث ومقترحات خاصة بإيصال الكتب للأطفال المحتاجين خارج أمريكا وكندا، واحد من أقرب مراحل حياتي المهنية إلى قلبي.

ولو أن أحدكم اطلع على إيميلاتي الشخصية بالإنجليزية منذ عشر سنوات، لم يكن ليصدق أن من ارتكبت ذلك الكم الفادح من الأخطاء الكتابية بتلك الإيميلات هي نفسها التي كتبت ملفات بحوث وخطط عمل بانجليزية سليمة لتصير فردا بسيط من فريق عمل يستهدف مشاريع خيرية عالمية.

الكتب هي ما حسن مستوى لغتي وكتابتي وقراءتي.. الكتب ولا شيء آخر، فلقد تخرجت من مدارس حكومية مصرية وبدأت تعلم الإنجليزية بعمر الحادية عشر وفقا للنظام التعليمي وقتها، ولم يعوض بعض مما فاتني ويدفع بي كي ألحق بمصاف المتميزين سوى الكتب التي قرأتها بالإنجليزية.

ما عبر بتلك الفتاة الصغيرة التي ولدت وربت بمدينة صغيرة بمصر, كي تصير تلك المتدربة الشابة بعاصمة واحدة من أكثر دول العالم تقدما, وتقف هكذا ببساطة وأريحية, بينما تحدث صاحبة الشركة دون تلعثم أو وجل عن مصر, بعدما قابلتها لأول مرة بالصدفة بكافتيريا الشركة, وتحكي عن فكرة مشروع قد خطرت لها, فتقرر صاحبة الشركة تخصيص ساعة بين جدول أعمالها المزدحم لمقابلتها, هو الكتب.

الكتب هي وحدات بناء في جسور طويلة ممتدة تحيط بي, أعبر عليها لكل مكان.
لعالم خيالي الذي يشكل جزء من عالمي الممتد, لقراء أخاطبهم من خلال الكتابة, لبشر أمنحهم التفهم فيفتحون لي صناديق نفوسهم, لنجاحات شخصية وعملية, للحب, للحرية, و فضاء المعرفة المبهر.

الكتب شكلت فكري, وكل شيء بالحياة ما هو إلا فكرة. 

منظورك للعالم وقناعاتك عن نفسك التي تحرك و تتحكم باختياراتك, حتى دينك هو إيمان بفكرة. ومشاعرك التي تظنها نابعة من القلب, هي في الأصل انعكاس لفكره لكنك لا تعلم.

كل نجاح صغير أو كبير حققته, حالفني إكراما لتلك الفتاة الصغيرة ذات العقل المتسائل التي كانت تضع كتبها بجانب وسادتها.

أنا أدين للكتب بكل شيء, بدون مبالغة.


لو أن بإمكاني جعل كل الأمهات والآباء سفراء للكتب والقراءة عند أبنائهم، يحببونهم فيها ويعلمونهم المواظبة عليها، سأفعل!

أحد أمنياتي أن أشهد اليوم الذي ستتغير فيه المفاهيم الخاطئة بمصر عن التعلم والتعليم، يوم يفهم الأهل أن كل العلوم مهمة، أدبية كانت أم علمية وأنه لا حضارة عظيمة قد ارتقت بتحقير مهنة المدرس والمحامي وتبجيل شهادة الطبيب والمهندس, كل علم مهم, كل تخصص هو حجر أساس.

لو أنا نقرأ كي نعرف العالم، كي نعرف أنفسنا، قد نفهم بشكل أفضل من نختلف معهم في الفكر والآراء فتقل حدة الصراعات.


قد أبدو حالمة، لكن هذا الحلم من الممكن تحويله إلى واقع بجهود من يعرفون أنهم يدينون للكتب بالكثير مثلي. 

هؤلاء كل منهم يقوم بدوره، ولو بعرض كتاب أو تقييم رواية، محرضين على تتبع غواية المعرفة التي يدمنها كل من عرفها.
وقد يتطور الدور يوما إلى جهد منظم وفعال، كي نوفر الكتاب الأول لأطفال محتاجين بمصر أو بالمنطقة العربية كلها, فاستهدافنا الأطفال هو أمر منطقي، ففي ذلك العمر يسهل غرس ما نود جني ثماره في الكبر.


اقرأوا لأطفالكم كتب غير كتب الدراسة, اسمحوا لخيالهم أن يجنح حيثما يريد وأسئلتهم أن تدق أبواب المحظور والمجهول, استمعوا إليهم وناقشوهم, واقرأوا من أجل أن تواكبوا تطور عصرهم, وثقوا تماما أن متطلبات الحياة تمتد لما هو أبعد وأعمق تأثيرا من مأكل ومشرب ومسكن وشهادة توفر وظيفة. 

لا يشترط أن تكون والد الطفل كي تحثه على القراءة, بدائرة كل منا أطفال, بإمكاننا التأثير إيجابا على تطورهم العقلي والفكري إن عززنا هواية القراءة بحياتهم.


إهدي كل طفل تحب كتابا, كي يصير عنده بالغد مكتبة, فالكتاب الأول الذي نمرره إليهم ونحببهم فيه لن يكون أبدا كتابهم الأخير!


Comments

Popular Posts