ما تفعله بنا العزلة



(في الأفلام يُعاقب المسجون بالحبس الانفرادي إن أخطأ، لم أفهم دلالة ذلك العقاب إلا فيما بعد!)





نظن دوما أن الوحدة هي أقسى ما قد نتعرض له، إن لم يكن هناك أصدقاء لتقضي معهم عطلة نهاية الأسبوع، أو إن كنت قد انتقلت بعيدا عن دائرتك الاجتماعية، أو كنت وحيدا دون شريك... الخ.

الوحدة قاسية دون شك، لكن العزلة هي وضع مختلف.

العزلة هي أن تقضي يومك منفردا، لا بشر تتحدث إليهم أو تراهم ولا صوت سوى صوت دماغك، والأصوات التي ترافقك هي منبعثة من التلفاز أو الهاتف إن حادثت أحدهم.

في البداية تظن الأمر محتملا وخصوصا إن كنت مثلي، قادر على شغل نفسك مهما كان الأمر.
لم يمر على يوم بحياتي وعانيت مما يسمونه الفراغ، ألا يكون لديك ما تفعله، على العكس، غالبا ما أريد فعله أكثر مما يسمح به اليوم!

حتى في عزلتي الجبرية، ملئت خانات الساعات، لكن هذا لم يُجنبني أثر الحبس الانفرادي.

ثلاث مرات خلال أربع سنوات اضطررت للعزلة، مرتان لأسباب طبية، ومرة لأسباب أخرى.

في الثلاث مرات تأرجح عقلي على هاوية الاكتئاب دون مبالغة.

عندما تتحول الأيام إلى أسابيع والأسابيع إلى شهور، يتملكك شعور لا إرادي أنك تعد الساعات كي ينتهي اليوم ليأتي آخر، مثل أي حبيس يتحول اليوم بالنسبة لك إلى مجرد واحد من أيام عدة متشابهة ويتملكك شعور أنك فقط بانتظار اليوم أن يمر.

يقتل ذلك الإحساس متعتك الحقيقية باليوم وبأي شيء قد تفعله خلال ذلك اليوم، حتى وإن كان شيء تستمتع به. 
لا تدرك هذا في البداية، تردد دوما أنك بخير وأن الأمور على ما يرام.  خصوصا وإن كنت حبيس المنزل لأسباب طبية، ساعتها أنت بحاجة لأن تتمسك بكل طاقة الرضا والصبر الكامنة بداخلك كي تمر المرحلة بسلام.
تُذكر نفسك بمن هم في حالات صحية أسوأ وتحمد الله على حالتك البسيطة، وتردد لنفسك أن الأمور ستتحسن وأن تلك مجرد مرحلة.

تمر الأيام وتتباعد عنك ذكريات الرفقة.

تُفكر في المسنين والمسجونين وحبيسي الفراش والكراسي المتحركة.

تذهب لمنطقة شعور لم تكن لتتصور أنك ستدركها في مثل هذا السن.

تخبر نفسك أنها مجرد تجربة وستمر وتتعكز على قوتك.

تحدث الناس عبر الهاتف كي تستجلب صوتا يشاركك خواء الصمت، ثم فجأة تفقد اهتمامك بتلك المكالمات، غالبا ما يحدث هذا بعد الشهر الأول من عدم التواصل الإنساني.

تُدرك روحك أنك بحاجة لما هو أكثر من الصوت، فتزهد المكالمات تدريجيا، وعندما تتوقف عن طلب الناس تدرك أنهم لا يطلبونك، لأنهم منشغلون، وهذا طبيعي.  لا تلوم أحدا لأنك موقن أن الأمر خارج عن إرادتهم مثلما وضعك خارج عن إرادتك.

إن كانت عزلتك لسبب صحي، مهما كان بسيطا، يبدو الخطب بعد فترة أكبر من حجمه، لأنه لا يوجد من يناولك شيء.  أنت مضطر للتعايش بمفردك مع أيا ما كان سبب عزلتك، وأحيانا تتحول الأفعال الاعتيادية إلى مهام صعبة تحتاج مجهودا يستلزم طاقة لا تملكها!

أحيانا تستلقي لمدة ساعة أو أكثر متجاهلا الجوع الذي ينهشك لأنه لا طاقة لك بالتحرك من غرفة نومك للمطبخ لتعد لنفسك شيئا لتأكله.  تطلب طعاما مللت من تكرار تناوله، لكنك بحاجة لسد جوعك.  كل شيء صار مجرد وسيلة لملء شيء.  الطعام وسيلة لملء فراغ المعدة، الأفعال المتكررة أو الاستلقاء دون فعل أي شيء وسيلة لملء ساعات اليوم، الأيام مجرد وحدات تملأ خانات تعبر بك من يوم البداية لأسابيع ثم شهور بعده.

تتعايش مع الأمر، وتُذكر نفسك أنك بخير وأن تلك مرحلة مؤقتة لخطب هين أو لظرف سيتغير.
 تحمد الله أنك غير عاجز تماما، بعد استقرار حالتك الصحية أو بعد أن تسمح لك الظروف بالخروج من البيت، تخرج للتسوق، عسى أن يجلب لك هذا بعض من تجديد.

عندما تضطرك الظروف لأن تكون حبيسا بين جدران لفترة، يصبح للشارع بسمائه المفتوحة جمال مختلف. يسعدك نور الشمس. والنسيم الذي يلمس جسدك يصير شيئا لطيفا يدعو للابتسام.

 رحلة التسوق التي لا تسمح لك ظروفك أن تستغرق أكثر من ساعتين، تتحول إلى مجدد لحالة السأم التي عشتها لفترة.

لكن خلال رحلة تسوقك تتمثل لك وحدتك كظل ثقيل غير مرحب به لكن من المستحيل تجاهله.  أنت بين الناس وحدك، لا يوجد من تسأله عن شيء أعجبك وتحتار في شرائه. لم يزل لا يوجد من تُحادثه وجها لوجه.  أقصى تواصل إنساني تحصل عليه بعد فترة هو حديثك مع البائع.

يتعجل البائع كي يخلص من الطابور الممتد خلفك، أو قد لا يتحدث معك مطلقا.  تخرج من المتجر لتبحث عن مكان تأكل به.

لا تريد شراء طعام وأخذه للبيت لتأكله وحدك بمواجهة الحائط.

تطلب طاولة لشخص واحد، وتتناول طعامك في هدوء. مثل معظم من حولك أنت محملق بشاشة الهاتف.
هم منشغلون عن بعضهم البعض بهواتفهم وأنت تنظر لهاتفك لأنه من الوقاحة أن تطيل التطلع بوجوه من حولك.
الشاشات حوائط أيضا، حوائط إلكترونية.

تعود لحوائط مكان عزلتك وقد قتلت نصف اليوم، تُخبر نفسك أن هذا كان أمرا لطيفا، وتفعل ما تحتاج فعله، بينما عقلك الباطن في انتظار هذا اليوم أن يمر أيضا!

بعد فترة تدرك أنك قد أدمنت الصوت دون داع!

يجب أن يكون هناك صوت ما بالخلفية، برنامج تافه أو عرض لا يهمك كثيرا، هناك صوت ما يرافقك في محبسك الانفرادي لأن صوت دماغك لم يعد صوتا محببا إليك ولأن الصمت التام لما يقرب من الاثنا عشرة ساعة مخيف!

تلجأ لتلك الأصوات المنبعثة من أجهزة كي تتجنب الصمت وذلك الصوت الداخلي الدخيل عليك!
لا تدرك متى حل ذلك الصوت الغريب محل الصوت المألوف برأسك، لكن مع مرور الأيام شيء ما قد حدث، وغزا رأسك ذلك الصوت الجديد.

صوت متذمر، منتقد ولوام ومزعج.  لا يقترح عليك حلولا، ولا يقبل كذبتك البيضاء بأن كل شيء على ما يرام، وكلما هممت بفعل شيء يبدأ في التململ. كل الأشياء صارت متكررة ومملة.

يقنعك الصوت أن تستلقي ولا تفعل شيئا، وإن كانت حالتك الصحية قد صعبت عليك النشاطات اليومية، يبدو هذا الطلب منطقيا، فتستجيب وتمر الساعات وأنت محملق بشاشة ما.  لكن لسبب ما يزيد هذا من سخطك على اليوم ومن شعورك بالوحدة.

تدرك بعد شهور أن شيء ما قد تغير في سلوكك الاجتماعي، عندما تتيح لك الظروف أخيراً مقابلة بشر وجها لوجه. 

تجلس كأي شخص عادي وتشارك في الأحاديث، لكن هناك شيء ما قد تغير ولا تستطيع تحديده.
لم تعد مرتاحا كما كنت بالسابق، ربما لأنك تعلم أن هذا اللقاء، الذي يفصله شهور عن لقاء سابق سيعقبه شهور أخرى قبل لقاء آت!

 لعنة المهجر الذي يُعاني من خلل حقيقي بالحياة الاجتماعية, حتى بالنسبة لهؤلاء الغير محبوسين اضطراريا.
تُلاحظ أيضا أنك صرت حساسا بشكل مبالغ فيه وأن بداخلك عدوانية وميل للشجار!

لا يُعجبك ما صارت الأمور إليه، تعد نفسك بمحاولة خلق حياة اجتماعية بمجرد أن تمر تلك المرحلة.
تمر المرحلة مثلما يمر كل شيء بالحياة.

 تنشغل بعمل وبمهام يومية عدة، لا يتيح المهجر لك فرصة صداقة حقيقية بعد، لكنك تتحايل على الأيام.  وتذكر نفسك بما سبق تستمتع بانشغالك وقدرتك على فعل أشياء خارج الجدران.

لم تزل تفعل معظم الأشياء وحدك، لكن قسوة الوحدة تبدو نعيما بعدما تجرعت مرارة الانعزال مرتين.

في البداية تتجاهل التغيرات التي طرأت على شخصك من ميل للصمت ومبالغة في القلق أحيانا مع أرق.  ثم تعترف لنفسك أنك بحاجة لمساعدة، تتحدث إلى متخصص، تقرأ كتب، تمارس التأمل، تسافر، تعمل، تدرس، تنجح، تفعل كل ما لا يسمح لك الصوت اللعين الغريب بالشعور بالفخر حياله.

فلا تدرك أنك خلال العزلة وبعدها قد حققت إنجازات صغيرة لا بأس بها خلال وقت قصير. 
لم تزل تحت تأثير إحساس أن اليوم مجرد وحدة كبيرة بانتظارها أن تمر.

بعد فترة كافية من التوازن تدرك أن ذلك الشعور السام الذي لم تتركه خلفك عندما خرجت من عزلتك، هو ما يفسد عليك كل شيء، عندما تعرف السبب تبدأ تدريجيا في معالجته وتعود لنفسك القديمة التي تعرفها، عندما كنت تعيش اللحظة وعندما كان اليوم فرصة لا مجرد وحدة تنتظر أن تنقضي!

ثم ودون أدنى توقع ترغمك الظروف للانعزال من جديد!

تلك المرة تلاحظ سرعة هجوم الأعراض.
ما كان يلزمه شهر كي تعاني منه، صار يحدث بعد عشرة أيام على الأكثر.

بعد شهرين تفقد توازنك تماما، لكنك لا تعارض من يهون عليك الأمر بتذكيرك أن تلك مجرد مرحلة!
كل من يحدثك، يحدثك عن الوحدة، لم يجرب أحدهم ما هو أسوأ منها، لا يعرف أحدهم المعنى الحقيقي للعزلة وأثرها اللعين.

لا تشرح لهم فأنت تعرف أن الأمر أكبر من تصور من لم يمر به.
كما أنه لا يوجد ما يمكن فعله، أنت حبيس الجدران وحدك، لا سبيل إليك وسترافقك وحدتك في رحلاتك الخارجية الخاطفة شئت أم أبيت!

بعد فترة من التحايل على الوضع تعلم أن أحدهم فوت عليك فرصة تواصل إنساني حقيقي شبه أسبوعي، فيجتاحك غضب تعجز عن شرح أسبابه.

فاقد لاتزانك تماما وغاضب ومتعب، تقرر الاستسلام. الأمور ليست على ما يرام.
ليست على ما يرام.

العزلة أمر سيء للغاية.  ولا أحد لم تضطره الظروف لقضاء ولو شهر واحد دون التعامل مع بشر وجه لوجه لفترة تطول عن الاثنا عشرة ساعة يوميا بإمكانه أن يفهم.

إلا إذا وضعت نفسك مكانه تماما، وإن وضعت نفسك مكانه حقا وكان بإمكانك، ستذهب لتزوره في عزلته.

إن كنت تعرف مسنا وحيدا أو مريضا أو قعيدا أو طريح فراش وكان يهمك حقا، اذهب لزيارته.

تلك الظروف لا تفرض علينا الوحدة التي تظن أنك تعرفها، تلك الظروف تفرض علينا حبسا انفراديا.

………..

October 5th. 2019
Bethesda, Maryland


Comments

Popular posts