الدين من أجل الحكم أم الحكم من أجل الدين؟


كان محمد " صلى الله عليه و سلم " رسولا .. أتى ليدعو لدين إله واحد و كتاب هو " القرآن " ..  
و كانت هجرته من مكة إلى المدينة .. لأنه قد اضطهد في مكة .. و معظمنا كمسلمين يعرف تلك القصة

  و  اضطرته الظروف للهجرة إلى المدينة و لم يكن غرض الهجرة دينيا فقط  فقد دعي محمد للدين بمكة لما يزيد عن العقد  لكن لدرء الأذى  و من أجل الاستقرار

فعلى سبيل المثال قررت قريش – بعدما رفض بني هاشم و بني المطلب تسليم محمد أو أذيته – أن تـُـعلن ميثاقا ينص على المقاطعة العامة .. ألا ينكحوهم, و لا يبايعوهم , و لا يجالسوهم, و لا يخالطوهم, أو يدخلوا لهم بيتا أو يكلموهم حتى يسلموا محمد للقتل

  و عندها حوصر  كل من بني هاشم و بني المطلب في " شعب أبي طالب" و عانوا من الجوع و نقص الإمدادات.. و بعد حوالي ثلاثة  أعوام نقض هذا الميثاق

  بعدها توفى أبي طالب عم الرسول ثم خديجة زوجته فيما سمي ب " عام الحزن"  و فيما بعد و في مواسم الحج بايع  محمد من أهل يثرب " المدينة" من نشروا دعوته هناك .. و عندها بدأ التفكير في الهجرة إلى المدينة .. و على الرغم من أنها خطوة عظيمة و بها مخاطرة و فيها ترك كل من اسلم لما يملك بمكة إلا أن الاستقرار كان العامل الأهم

فإن كنت  ستحسب الأمور بالمنطق فهو خيار ما بين  أن تملك الكثير في بيئة غير مستقرة تهددك دوما بخسران كل ما تملك  بل و تهدد حياتك.. أو تبدأ بالقليل في بيئة مستقرة ترحب بك و تساعدك على تنمية القليل؟

  و فوق هذا طبعا الدعوة للإسلام بين أهل يثرب المرحبين به .. ستكون اكثر فاعلية من الدعوة في " مكة " التي تضع العراقيل دوما أمام محمد و اتباعه

  و كملحوظة جانبية .. بدا لي محمد دوما كإنسان .. إنسان شجاع للغاية إذ كانت هجرته بعد تخطيه الخمسين من العمر و يالها من شجاعة لا فتة للنظر .. تعرفك أن الوقت لا يمر  أبدا كي تبدأ من جديد

  عودة إلى محمد النبي و الإنسان عظيم الخصال و هجرته التي أدت إلى تكوين مدينة إسلامية .. كان من المنطقي أن يكون محمد هو قائدا .. لكونه نبي هؤلاء القوم.

   و هنا قد يكون الإسلام قد بدأ ينتقل من الشكل الروحاني و الديني إلى الشكل العملي المدني .. بأن صارت هناك مدينة .. مذهبها هو تلك الديانة .. و اضطرت الظروف محمد لخوض معارك " غزوات" .. فصارت هناك حروب تخاض تحت مسمى الدين
ثم مات محمد
  و خلف ورائه دينا قد دعى إليه و قرآنا أنزل كاملا
  و مدينة أقامها
   الدين .. لن يتولاه أحد .. فلقد مات النبي و الكتاب هو كلام الله الذي يغنيننا فيما بعد موته .. كما أن الديانة الإسلامية تنص على أن محمد هو خاتم الرسل .. لذا لن يخلفه  أحد

   لكن المدينة و أمر القوم .. هو الشيء الذي بقى و الذي بدأ المسلمون في التصرف بصدده
و من هنا نشأت فكرة الخلافة ..

    الخلافة .. هل هي معتقد ديني؟
 
    لا تجد في القرآن نصا يحدد لك نظامك السياسي .. هناك آيات عن الشورى و عن أولي الأمر .. خلال سنوات طويلة و حتى الآن لا زال كل من يبتغي يفسرها على هواه أو من أجل حكم بعينه

   لكن يظل القرآن ككتاب .. كتاب عقائدي .. هل نزل لتوجيه البشر سياسيا؟
  ترك محمد كل من القرآن و سنته  و ما أنشأه بالمدينة ..

 المدينة
 هي دولة صغيرة قائمة بحد ذاتها و مازال هناك من يتربص بالمسلمين .. و يجب أن يكون هناك قائد .. يحمي المسلمين و ينظم أمرهم و بالتالي يحمي الإسلام

  و في ذلك الارتباط الشرطي في الأذهان و الواقع  بين( أمان و ثبات المسلمين كجماعة سياسيا و اقتصاديا) و بين( انتشار و بقاء الإسلام كديانة) و من هنا بدأت حكاية الإسلام بعد محمد

  و تطور الإسلام من مجرد ديانة روحانية و دعوة عقائدية إلى أمة بأكملها .. تتوسع سياسيا و اقتصاديا .. و لأسباب لن يتسع الوقت لذكرها هنا .. كان نظام الحكم هو الخلافة .. أي يخلف كل حاكم .. حاكم آخر متفق عليه .. و فيما بعد اختلف المسلمون بسبب " علي بن أبي طالب" و نشأ المذهب الشيعي و في عهود أخرى صارت الخلافة تشبه الملكية .. أي أن كل خليفة يولي ابنه خليفة من بعده

   و في خضم هذا الصراع السياسي يخبرنا التاريخ عن أبناء قتلوا آبائهم و أشقائهم .. و عن حروب قامت من أجل السلطة
و من الأمور اللافتة للنظر أن الإمارة الإسلامية في أزهى عصورها الاقتصادية و السياسية كانت ربما في أضعف حالاتها دينيا .. و تجد الخمر التي حرمها الإسلام كديانة أمرا مستباحا و بكثرة و تجد ما ملكت أيمانكم هي رخصة للاستمتاع بعدد غير محدود من النساء .. و غير هذا من أمور فيما ورد تاريخيا عن أحوال المسلمين في تلك المراحل.

   ذلك ليس بمقال لعرض وجهات نظر .. حاشا لله أن أكون بعلمي المحدود واحدة ممن يفرضون وجهات نظرهم .. أنا مجرد متفكرة تؤمن أن السؤال هو أول طريق المعرفة.. و الوضع الحالي في مصر .. من كثرة الجدل و الحديث عن الدولة المدنية أو الإسلامية هو ما دعاني ببساطة إلى التفكر في الأمر من أوله

   يدفعني هذا التفكر إلى القراءة عن دول اتخذت من الدين الإسلامي منهجا للحكم .. مثل إيران .

   و تدفعني معرفتي المتواضعة بالتاريخ  إلى طرح تساؤل .. ما الذي يدفعنا كمسلمين إلى جعل السياسة و الحكم هما منهج الدعوة لديننا ؟.. و ما الذي تعلمناه من التاريخ فيما بعد موت " محمد" و حتى الآن ؟
و إلى أين ذهب بنا هذا المزج بين الدين و السياسة ؟
و هل كان الارتباط الشرطي بين( القوة السياسية و الاقتصادية) و (ترسيخ العقيدة بشكلها الصحيح) ارتباطا صحيحا؟
و هل تكمن قوة الإسلام كعقيدة في قوتها الروحانية أم في قوتنا نحن كمسلمين سياسيا؟

   دول بأكملها أغلب سكانها مسلمين و المسلمين منتشرين في أنحاء العالم .. رغم أن القوى العظمى بالعالم اليوم ليست بمسلمة.
محمد مات و لم يترك فينا رسولا من بعده و قد نكون نحن من ابتدعنا الخلافة.. فهل ظلمنا الإسلام كعقيدة منزهة عن المصالح الشخصية و السياسية و الاقتصادية و ما تفعله بنا شهوة السلطة؟

و هل نتجه في مصر نحو هذا الإتجاه؟




Comments

راجى said…
تحياتى لكى سيدتى و عندى تعليق على مسألتين فيما ورد فى المقال
بداية فانه من المعلوم من الدين بالضرورة ان الاسلام عقيدة وشريعة ، العقيدة هى الايمان بالله وبالغيب والشريعة هى المباديء الكلية لتنظيم حياة الناس ( المسلمين كأغلبية ويعيش معهم اقليات دينية او عرقية او الوضع العكسى )فالعبارة التى وردت فى مقالك بان الاسلام تحول من مجرد ديانة روحية الى امة بعد موت
الرسول يتعارض مع ما ورد فى اول المقال
و هنا قد يكون الإسلام قد بدأ ينتقل من الشكل الروحاني و الديني إلى الشكل العملي المدني .. بأن صارت هناك مدينة .. مذهبها هو تلك الديانة
فمن الواضح ان الاسلام كان فى هذه المرحلة دينا يحتوى على العقيدة والشريعة
اما التناقض الذى ترينه فى حضارة الدولة الاسلامية بالرغم من فساد الحكام فيعود الى ان الدولة الاسلامية كانت مدنية ولم تكن دينية بالمعنى الاوروبى وكان العلماء المسلمين هم من قام بمواجهة الحكام والتنديد بما يفعلون اذا عارضوا احكام الدين
Farida said…
أستاذ راجي

أشكرك جدا للتعليق

نبهتني إلى ضرورة تغيير التعبير و البحث عن تعبير أنسب

لأني قطعا لم أعن التحول الكامل

تفسيرك للتناقض صحصح تماما

تحياتي و مودتي
إجابة العنوان أولا هي: الحكم من أجل الدين .. ولكن بضوابط

فالحكم لابد وأن تكون قواعده لا تتنافى مع ما شرع الله عز وجل من أوامر ونواهي، ومن هنا جاء القياس والإجتهاد، فأغلب أمورنا لن تجدي لها ذكرا واضحا في الكتب الدينية

أما ما تتحدثين عنه من قوة الدولة وضعف الدين أو العكس فهما يدخلان في إطار الدين من أجل الحكم، أي توظيف الدين لأجل تثبيت أركان الحكم، وهو قمة الضعف

Popular Posts