الوقت كالسيف , اضرب به عرض الحائط!



منذ قرابة العام , نشرت لي بص وطل أول مقال لي معها بعنوان , " البصق وحده لا يكفي"  و فيه نوهت لكون ممارستنا للحرية لم تزل عن طريق الفيس بوك و تويتر , و أن ما بعد الثورة يجب أن يكون مختلفا كي نستطيع السير في اتجاه التغيير الحقيقي لمصر.
خلال هذا العام , مرت على مصر أحداث عدة , عاصرناها جميعا و تابعناها مترقبين بكثير من القلق و عدم الفهم ,  ثم وصلنا إلى المبتغى
سباق انتخابات الرئاسة الذي بالتأكيد كنا نتنظره ,و دخل كل من فيس بوك و تويتر , السباق الرئاسي , للتعبير عن  توجهاتنا , و دعم من نريد أو مهاجمة من لا نرغب.
و يجب أن نشير هنا أنه شريحة معينة من الشعب المصر ككل التي يتاح لها إمكانية التعبير عن  آرائها عن طريق الفيس بوك أو تويتر أو حتى المدونات.,
شريحة من المفترض بها أن تكون مختلفة عن العموم , منها القارئ و المثقف و منها الذي يسهل له وضعه الاجتماعي امتلاك كل التسهيلات كي يظل دوما " أون لاين "
هذا الذي يملك المال أو الوقت أو الثقافة الالكترونية و الشخصية اللازمة كي يمتلك " حائطا" – كما نسميه في الفيس بوك- كي يكتب عليه ما يريد  هو الذي من المفترض به أن يقرأ مقالي هذا لأن عنده تلك الوسيلة التي يقرأ بها مقالي المنشور الكترونيا.
و هو من أكتب من اجله هذا المقال , مثلما كتبت من اجله مقالي الأول منذ عام.
في المدارس علمونا معنى كلمة " موارد" و أهميتها في تنمية الاقتصاد , تلك الموارد التي لطالما تحسرنا على إهدارها في مصر , و نعلم جميعا أنه في عهد " مبارك" الغابر  , كان هناك فساد متعمد إما بتعطيل الموارد المحتملة أو نهب إيراد الموارد المتاحة.
مؤخرا , و بعد احتكاكي الشخصي بالعمل الاجتماعي في مصر أتفكر في مورد هام لم نتعلم احترامه , لا لأننا لم نقرا عنه أو ندرسه و لكن لأننا لم نتعلم في الأساس تفهم قيمة موارد عدة.
هذا المورد هو " الوقت"
و هو المورد الأكثر تجددا و الأكثر عرضة للإهدار بصفة مستمرة
ذلك الوقت الذي نقضيه في التعبير عن وجهات نظرنا على حوائط تحيط بنا في كل مكان , مصدقين  أن العالم صار قرية صغيرة و أن الانترنت ما هو إلا نافذة على العالم .
و لربما هو نافذة بالفعل إن نقل خبرا ,علما أو معلومة.
لكن من يوم أنشئوا لنا الحوائط التي نتواصل من خلالها و نزيد نسبة أرباحهم عن طريق الإعلانات التي يسعى لها المسوقون كلما زادت نسبتنا نحن المحملقين في حوائط الفضاء الإلكتروني , صرت أشك أنا أن الانترنت لم يزل نافذة.
صرت أشعر أنه في كثير من الأحيان حائط أصم يشغلنا عن المحيط الواقعي و يُستخدم كوسيلة وهمية لتفريغ طاقة كان من المكن استغلالها إيجابيا في أمر آخر.
كما أننا نجلس بالساعات نرد على هذا و ننقد وجهة نظر ذاك و يهاجمنا البعض و نسخر جميعا من بعضنا البعض بإعادة مشاركتنا للنكات و الصور و التعليقات , دون أن يستشعر الطرف الآخر في المعادلة , ألا وهو الوطن , بتغيير حقيقي ملموس لوقتنا و مجهودنا المهدر أمام شاشات الانترنت.
عندما تنزل للشارع المصري , حيث الأرض الواقعية و الفئة التي لا تملك الوقت أو المال ليكون لها حائطا الكترونيا كي تبصق عليه لاعنة في الحال و الأحوال , ستفاجئ أنك لو أعطيت ساعتين من يومك للعمل الاجتماعي مثلا , لربما يكون هذا أكثر فائدة .
و سأضرب لك مثالا, إن استيقظت اليوم لتجد خبرا عن التعليم و قضيت ساعتين كاملتين مثلا , تقرأ و تكتب على حائطك و حوائط الآخرين عن مدى سوء العملية التعليمية .
لو أنك بدلا من هذا ارتديت ملابسك و نزلت من بيتك لأقرب دار أيتام في منطقتك , بيدك كتب من مكتبتك و أوراق بيضاء و أقلام خشبية ملونة لن تكلفك الكثير و جلست ساعتين مع الأولاد الأيتام , تعلمهم شيئا ما , مما عُلمت أنت , ساعتين من وقتك و عمرك و مجهودك , سيصيرون موردا , مفيدا , بالفعل.
و أنا أذكر الأيتام اليوم لأن الجمعة السابقة هي جمعة اليتيم في مصر , و أنا لا أفهم لماذا , لا يصير لكل منا عمله الاجتماعي الذي لا يستلزم المال فقط قدر ما يستلزم الوقت ؟
و الوقت هو عملة موجودة بصفة مستمرة , عند الجميع على اختلاف درجة توافره, و هو مورد فعال جدا إن استغللناه بصورة صحيحة , سواء شخصيا أو مجتمعيا .
و هناك أفكار أخرى لا تتعلق بالأيتام وحدهم , من الممكن أن نستثمر فيها وقتنا من أجل مصر , لكن طاقة تخيلنا و تفكيرنا مهدرة في الحملقة لشاشات , لا نعرف يقينا إن كان ما يطالعنا على حوائطها مُغرضا أم حياديا في المطلق.
لربما تكون التكنولوجيا نافذة للتواصل بين هؤلاء المحظوظين بامتلاك وسائلها , البي بي ام و الواتس آب , الأي فون و الأي باد و الميني لاب... إلخ
لكنها حائط عازل أحيانا بين هؤلاء و بين من لا يملكون تلك الرفاهية.

Comments

Popular Posts