بول أوستر





عندما يبتلي الله المرء, يميل للجزع و هذا من طبع البشر
و التماسك في عز المحنة لا يعد قوة كما يتصور البعض, فلا يوجد بشري طبيعي لا يكمن الضعف في فطرته
أقسى البشر يحتاج محبة و حضن حقيقي أثناء الأزمة
الابتلاء , رحمة , يهذب النفس , يجعلها تتناسى كبريائها و تصير مرهفة أكثر , فتصير شاعرية
تلك الدموع الصامتة قد تثقل اللحظة بالحزن لكنها فيما بعد تخفف الألم.

الألم في حد ذاته أمر مهما وُصف, يظل السليم بمنأى عن تصوره حتى يستشعره
الألم تذكرة بوجود الجسد الذي يحمل تلك الروح في صمت ,  يعيش ما نقودنا إليه ,حتى يئن فكأنما لم يعد بالوجدان سوى آلامه هو.

التقدم بالسن يجلب معه الألم و يعد  أحيانا ابتلاءا

في ترجمة "أحمد شافعي " لمذكرات بول أوستر الشتوية يكتب,

لم يكن يوم يمر بدون لحظة أو لحظات من المتعة الجسدية، ومع ذلك تبقى الآلام أشد إلحاحا وعنادا، وفي هذا الوقت أو ذاك يكاد كل جزء من أجزاء جسمك يكون قد تعرض لهذا الهجوم أو ذاك. العينان والأذنان، الرأس والرقبة، الكتفان والظهر، الذراعان والساقان، الحلق والمعدة، الكاحلان والقدمان، ناهيك عن الغليان الرهيب الذي انفجر ذات مرة من الكفل الأيسر في مؤخرتك فسماه الطبيب "ورما" وكان وقع ذلك على أذنيك وكأنه مرض من أمراض القرون الوسطى حل بك فمنعك من الجلوس في مقعد طوال أسبوع.

و يكتب أيضا:

قائمة ندوبك، لا سيما الندوب التي في وجهك؛ فهي تواجهك صباحا حينما تقف أمام مرآة الحمام لتحلق ذقنك أو لتصفف شعرك. أنت نادرا ما تفكر فيها، ولكنك كلما فكرت فيها، فهمت أنها علامات حياتك، أن الخطوط المشرشرة المنمقة المحفورة في جلد وجهك هي حروف الأبجدية السرية التي تقول من أنت، فكل ندبة هي أثر جرح ملتئم، وكل جرح هو ثمرة صدام غير منتظر مع  العالم.

.........................

كم هي الصدامات الغير منتظرة مع العالم , مع الدنيا ! كم من الندبات الظاهرة و الأخرى التي لم يطلع عليها.

لو أنني كتبت يوميات بمثل تلك الشاعرية عن الألم , لكتبت أقول:

" و أخيرا و ليس آخرا يا دنيا و لا يوجد آخر لدائرة, بعد, لم تنفصم. كل ضربة سابقة لما يليها, كل صدفة أغرب مما سبقها و لا يخلو جرابك و لا استسلم أنا ,فأمثالي هم الباقون , حتى ينشق البحر.
أخيرا و ليس آخرا  لكن لم يعد هناك مكان لندبة جديدة , و بعد استشهاد كل مرة بعثني الأمل و حكاياتك , مجرد حجارة , بالقاع  ليعود السطح للسكون , و لو بعد وقت ,لم يبق شيء يا دنيا , لا الحزن و لا الغضب.  أنا و أنت نعرف , و لا مراوغة ,كل نهاية بداية , و كل مزحة إشارة لجد و كل جد حوله الضحك لسخرية . كل ضربة تلتها أخرى  و كل شظية بقلبٍ هي بعض مني أنا"
...............

"يوميات شتوية" هي العمل الثاني الذي يكتبه بول أوستر كمذكرات , و هو روائي أمريكي معروف , له أسلوبه المميز الغير تقليدي في الكتابة و يظهر هذا جليا في المقال المترجم لجزء من مذكراته.

الكاتب في الخامسة و الستين من عمره , و عبر في تلك المذكرات عما فعله به العمر و التعب , في لهجة بها انكسار حتمي أمام الزمن لكن في نفس الوقت بها القوة و العزم و العناد المتأصلين في نفس أي فنان.

يبدأ مذكراته متحدثا عن نفسه كشخص آخر , و يقول "نعم أنت تشرب كثيرا و تدخن كثيرا و فقدت سِنة و لم تشغل بالك بتركيب بديل لها , و نظامك الغذائي لا يتوافق مع الأنظمة الغذائية الحكيمة الحالية, لكنك لا تأكل الخضروات لأنك ببساطة لا تحبها وتجده أمرا صعبا إن لم يكن  مستحيلا أن تأكل شيئا لا تحبه "

على الرغم من أن "يوميات شتوية " هي كتابة مذكرات إلا أن النقاد يعتقدون أن أوستر بمرور الوقت تحول في كتاباته من الدوران حول الذاتية إلى الاهتمام الحقيقي بالآخرين و التعبير عنهم و خصوصا في المقارنة بين رواياته الأولية و رواياته الأخيرة.

ما لا يتصوره من لا يكتب , أن ذات الكاتب ليست هي اشكالياته , و انعكاس بعض من أصداء ما يمر به في كتابته أمر حتمي , و عندما يُبتلى الكاتب , و على عكس غيره , يُعطيه ضعف الابتلاء قوة لأن يعبر , لكنه يظل ضعيفا , كبشري , و لا تلغي قدرته على التعبير حقيقة حزنه , و لا تأتيه الكلمات بصيف يبدد برودة يومياته الشتوية.

.................

واحدة من كلمات أوستر المفضلة بالنسبة لي من  " في بلاد الأشياء الأخرى "

“عندما يغيب الأمل ، عندما يجد المرء أنه تخّلى عن الأمل حتى في احتمال وجود أمل ، 

يميل إلى ملء المساحات الفارغة بالأحلام ، بأفكار وقصص صغيرة طفولية لكي يحث نفسه على الاستمرار .” 

..................

رابط المقال في مدونة أحمد شافعي

Comments

Popular Posts