على الجسر بين عالمين لم تتوقف عائشة عبد الرحمن





عندما يذكر اسم د." عائشة عبد الرحمن " يتبادر إلى ذهن العارف بها ذلك اللقب الشهير المقترن بها " بنت الشاطئ" و هو لقب يرجع إلى كونها ابنة دمياط التي نشأت في بيت جدها المطل على شاطئ النيل .
 و في كتابها  " على الجسر بين الحياة و الموت " الذي أعيد نشره و إصداره مؤخرا عن مكتبة الأسرة 2012 , " سلسلة السير و التراجم " , تصف الكاتبة حياتها الشخصية و رحلتها في طريق التعلم , واضعة لقاؤها بزوجها الراحل عن الحياة قبلها " الدكتور  أمين الخولي" كنقطة تمركز محورية تدور حولها أحداث حياتها .

و الكتاب من الناحية الإنسانية يصور مشاعر امرأة ترملت و رحل عنها زوجها الذي تحبه كثيرا , و لا تملك هي لقضاء الله ردا , و من هنا جاء عنوان الكتاب , فاعتبرت نفسها حتى تلقاه ثانية بعد الرحيل واقفة على جسر بين الحياة و الموت و كتبت  في صفحة البداية  واصفة حبهما و زواجهما بقولها:

"و تجلت فينا و لنا و بنا آية الله الكبرى الذي خلقنا من نفس واحدة فكنا الواحد الذي لا يتعدد و الفرد الذي لا يتجزأ و كانت قصتنا أسطورة الزمان , لم تسمع الدنيا بمثلها قبلنا و هيهات أن تتكرر إلى آخر الدهر"

و يتضح حتى في الإهداء أثر النشأة الصوفية و التعليم الديني الذي تلقته " بنت الشاطئ" منذ طفولتها , و يبدو جمال مشاعرها كامرأة محبة مثلها مثل سائر المحبين ترى في مشاعرها التميز الذي لم يتكرر و الحب الذي لا يشبهه حب آخر.

و على ذكرى هذا الحب عاشت " عائشة عبد الرحمن " أكثر من ثلاثين عاما بعد رحيل زوجها , كما صورت نفسها واقفة على معبر و هو ما اعتبرته كوصف ملائم عن الحياة من بعده.

لكن و من خلال قراءتك لما كتب عنها عامة و ما كتبته هي عن حياتها بصفة شخصية , تكتشف أن " عائشة عبد الرحمن " قد عبرت جسورا عدة , أهمها على الإطلاق هو الجسر الفاصل بين جمود الفكر و مرونته من أجل التفتح .

و هنا يجب أن نشير أن الكاتب حتى و هو يكتب الكتابة الذاتية , تكون الفكرة مسيطرة عليه , لا مجرد الرغبة المرسلة في التعبير عن الذات , فالكاتب أشبه بالمحاضر في الجامعة , كل محاضرة يجب أن يكون لها موضوعا و إعدادا و اجتهادا من أجل إيصال الموضوع , كذلك الفكرة بالنسبة للكاتب , هي الموضوع , هي قلب كتابته و الدافع لها , لذا حتى و هو يتحدث عن ذاته لا تخرج تلك الكتابة مرسلة بلا هدف , بل توجهه أفكار معينة يرغب  في إيصالها .

و هذا ما تلحظه بكتاب لأستاذة بالجامعة عن حياتها ,  من خلال وصف  الكاتبة لمراحل تطورها الفكري و اجتهادها في سبيل التعلم و تأثرها بزوجها على المستوى الفكري و العلمي.

و الكتاب الذي لمست فيه د." عائشة عبد الرحمن" القلوب بعنوانه و مدخله , لم يصف قصة حب بين رجل و امرأة ولم يصف حياة امرأة , قدر ما عَرفنا بالحالة التعليمية في مصر في وقتهما , و أثرها على الحركات الفكرية , و بالتالي عليها ككاتبة  و أستاذة بالجامعة.

فلقد تركت بنت الشاطئ (1912-1998 م)  وراءها ما يربو على الأربعين كتابًا في الدراسات الفقهية والإسلامية والأدبية والتاريخية؛ فلها مؤلفات في الدراسات القرآنية والإسلامية  و كانت أستاذ للتفسير والدراسات العليا في كلية الشريعة بجامعة القرويين في المغرب، وأستاذ كرسي اللغة العربية وآدابها في جامعة عين شمس بمصر، ثم تدرجت في المناصب الأكاديمية إلى أن أصبحت أستاذاً للتفسير والدراسات العليا بكلية الشريعة بجامعة القرويين بالمغرب.

و من خلال كتابها الذي نشير له اليوم , تتحدث بصدق حتى عن ما قد يحرج البعض فيعمدون لإغفاله أو تجميله , لكن هي فقد  كتبت عن جسور عدة عبرتها , منها الجسر الواصل بين حياة القرية و حياة المدينة و الفارق بينهما و ما واجهته على المستوى الشخصي من تحديات في هذا الصدد.

الكتاب قد يكون أبسط بكثير من كتابات د. " عائشة " الأخرى , التي تزخر بها مكتبات الجامعات كمراجع هامة و مصادر مفيدة , لكن بالنسبة لنا و في كتابها الشخصي البسيط المعبر , تشعر أنك قد تلقيت محاضرة عن أهمية العلم ومرونة الفكر , و عرفت و من خلال تجربة شخصية حقيقية معنى عميق للحب و المشاركة و الزواج , كما انك تفهم فارق الحركة الثقافية في مصر في بدايات القرن العشرين عن الآن , و تشابه عيوبهما أيضا , فلم يزل الصراع بين جمود الفكر الإسلامي عند البعض و دعوة البعض الآخر للتجديد قائما. 


Comments

Popular Posts