وإن سألوك عن 25 يناير, قل لهم هي حقيقة رغم أنف الكارهين.




التاريخ هو رواية, والرواية ليست حقيقة مطلقة, قد يشوبها طمس أو نسيان أو اختلاف منظور الراوي عما حدث بالفعل.

قد يروي التاريخ ما يشاء كاتبه عن 25 يناير, لكن يظل لجيل شهدها روايته الخاصة بها, على المستوى الشخصي لن يفرق معي كثيرا تحليلاتهم السياسية ورواياتهم عما حدث ببداية 2011.

 لا أكترث إن أطلقوا عليها ثورة أو جاهدوا لنزع شرف ذلك المسمى عما حدث, إن اختلقوا أو اكتشفوا براهين تجرم أيادي خارجية أو ببساطة سلموا أن ما حدث كان نتيجة حتمية, كل ما يكتبونه هو مجرد تحصيل حاصل.

التاريخ لم يكن أبدا منزها, ولا هو العدل بعينه, لقد محي كُتاب التاريخ أسماء, وشوهوا حقائق, وزوروا, حتى الأنبياء لم يسلموا من زيف إخبار الرواة عنهم.

نحن لا ننتظر من التاريخ إنصافا ولا نُطالب به, نحن نعرف ما عشناه ببساطة ودون مزايدات ولا تشتيت تحليلات.

أنا امرأة قد كفرت بالسياسة والكتابة عنها بعد 2011 بعامين, بعدما تبين لي أن السياسة مثلها مثل الدين عند من يستخدمونهما لأغراض شخصية متعلقة بلعبة القوى, وأن العقود تمر في بذل محاولات مستميتة من كل جانب لإثبات أن فريقه منزه وأن كل ماعدا ذلك باطل وهراء. باسمهما يُمارس عنف وتُزيف حقائق وتُبدل شهادات.
لم يعد يعنيني الكتابة عن السياسة وهذا ليس بمقال سياسي, أنا أكتب عن 25 يناير كامرأة مصرية عادية ولدت مع بداية تولي مبارك الحكم وعاشت لتشهد تنحيته.

لم أنتمِ أبدا لأي فريق سياسي, ولا أستطيع حساب نفسي على أي توجه!

أنا أحد سكان الأقاليم فلم أشرف للأسف بوطء الميدان يوم جمعة الغضب. مصرية عادية على جانب الأحداث رقبت كل ما حدث.

لم تغمرني حماسة الهتافات بالتحرير كي أكتب بتحسر القهر على ما آلت إليه الأمور فيما بعد, ولم يخطئني عيار ليُسقط من كتفي بكتفه كي أشهد بعيني الدم وأوجه أصابع الخيانة لكل غافل ومغيب.

لم أنجرف لفهم كل تلك التصنيفات التي ظهرت فجأة بعد يناير: "النخبة المثقفة", "الفلول", "حزب الكنبة", "الطرف الثالث", "أبناء مبارك"... إلخ

لم أنتظر من إعلام لا أؤمن بنزاهته أن يفسر لي ما حدث, ولا أحتاج من أحد أن يفهمني حقيقة.

الحقيقة دائما بسيطة ومباشرة, وكل تلك التعقيدات التي يربكوننا بها ما هي إلا لغو حديث.

25 يناير حقيقة بسيطة وقوية الأثر بالنسبة لشخص مثلي, شخص بالثلاثينات, ولد وعاش على أرض مصر.
مجرد إنسانة تؤمن بالأسس البسيطة للحقوق الإنسانية ولا يُلهيني تشعب الحكايات عن إيماني بتلك الأولويات.

إن لم تكن قد تمددت على سرير صدئ بمستشفى حكومي في عصر مبارك أو على الأقل رأيته بعينك وشهدت تدني الوضع لحد غير إنساني, فأنت تدافع عن زمن لم تعشه.

إن لم تكن قد جلست على تختة خشبية في مدرسة حكومية في عصر مبارك, لا عصر جمال ولا السادات ولا أيام الملك, بل في وقت مبارك نفسه ولمست بنفسك مدى انحدار التعليم والتخريب المتعمد للمؤسسة التعليمية, فعلي ماذا تُقسم؟!

ارجع للتقارير العالمية, واعرف وضع التعليم والصحة بمصر أثناء عهد رئيس كرر فترة توليه للحكم دون رغبة حقيقية منا.

إن لم تكن موظفا حكوميا وشاهدت أثر الفساد من الداخل وفحش سوء الإدارة بشكل يبدو غير منطقي لدرجة اليقين بالتعمد, فعن أي "مصر" تروي؟!

إن كنت بالخمسينات من عمرك أو الستينات, وحسابك البنكي يحفظ أموال قضيت في سبيلها عمر خارج مصر, ثم علمت أولادك تعليما خاصا ووضعت تحويشة عمرك بشاليه في الساحل الذي مهد مبارك طريقه فأقسمت بخير عهده, ناسيا أن معظم طرق القرى لم تزل "طريق فرد واحد" وكثير منها غير مسفلت وأن طرق السفر ما بين أرجاء مصرك المحروسة لا تقدم الخدمات المطلوبة وبعضها مظلم دائما وأبدا فعن ماذا تدافع؟

أما إن كنت قد عشت 30 عاما على أرض هذا الوطن, لامسا بنفسك الفساد الذي أصاب كل المؤسسات, منخرطا رغم أنفك في الدرب الذي رسمه عصر مبارك للمصريين حيث مشقة العيش اليومية تستنفذ كل شيء, والتقدم بطيء كأننا قد لُعنا بلعنة "سيزيف", نرفع الحجر لقمة الجبل كي يركله من بالقمة إلى القاع كي نشقى من جديد.
لا تعليم ولا صحة ولا مصلحة تُقضى بحق دون واسطة, ولا أمل في التغير.

لم يذهب جيلي يوما لانتخابات, ولم نر سوى دوام حال لم نختره ولم نملك سبلا لتغييره.

كل مشغول بلقمة عيشه ومصر كدولة, تتقهقر بكل منظماتها دون استثناء.

ارجعوا للتقارير وللأرقام, لمتوسط دخل الفرد, ولسعر الجنيه المصري مقابل العملات الأجنبية, للدين العام, ولنسبة التضخم.

لا تقرءوا التاريخ, اقرءوا التقارير أو زوروا أقرب مستشفي حكومي اليوم بعد ثلاثين عاما من إنجازات مبارك أو ادخلوا أي هيئة حكومية واقسموا كذبا أننا عشان كآدميين!

الجدران المتهرئة والمكاتب التي تكدس موظفين لا يحظون حتى بأقل الحقوق الآدمية فيلجئون للرشوة.

مرحلة عشنا فيها تشويه متعمد لسلطة القانون, فلا أحد يُحاسب كما ينبغي, مال عام لا صاحب له, وتقصير في كل شيء يظل على حاله سنوات, دون أمل في إصلاح.

أنا لا أنتمي إلى حزب ولست أحد من دعوا للثورة, أنا مصرية عادية سمعت مثل كل من سمع الشائعات المترددة عن نجلي مبارك وعرفت أن زواج جمال كان من أجل إعداده للتوريث.

لقد كنت مثلي مثل الجميع, بانتظار أن يتولي جمال الحكم, مثلي مثل الجميع, مسلوبة الحيلة والأمل.
وإنجازات عصر مبارك هي سحابة رمادية جاثمة فوق صدورنا ولا نور نبصره في نهاية النفق.
كنا نسير بقوة الدفع, وبحركة الاعتياد.

لأن أحدا لم يُخبرنا أن ذلك الفرعون الجاثم فوق صدورنا, قد يسقط بالفعل وأن جمال قد لا يتولى.
فقد عشت ما حدث مثلي مثل آخرين كمفاجأة, كصحوة, كتحقق أمل كان مجرد همس خافت لأماني بغد أفضل تتوارى على استحياء خلف قسوة الواقع.

 أتانا صراخ الغضب كهطول مطر خير على أرض قد جدبت وجرفها طغيان فصحنا مهللين وباركناه.
فليخبروا عنها ما شاءوا فيما بعد وليلعنوها أو يقسموا أنها مؤامرة.

الفساد كان حقيقة وواقع, الفقر كان حقيقة وواقع, الجهل والمرض والجماهير الغاضبة أمام طلقات الرصاص يوم جمعة الغضب حقيقة وواقع لا مراء فيهم.

إنها نتيجة أسفرت عنها مسببات وتراكمات, لا تخطيط ولا مؤامرات ولا شيء سوى لحظة خرجت فيها الأحداث عن إحكام تخطيط ديكتاتور, وهاج الجمع ومرج, فصرخ بما عرفناه جميعا وعشناه 30 عاما.

لم يكن "مبارك" ديمقراطيا ولم يكن عهده عهد عدل, ولم يطفح الكيل بمصر لأن غريب أو دخيل أغواها أن تتمرد على عصر ذهبي عادل.
لا صناعة ولا زراعة ولا مؤسسات دولة ازدهرت حتى عم الرخاء ثم غرر بنا مُغرض كي نتمرد على ولي نعمتنا.
لم يكن ولينا الذي وليناه ولم نعش في عهده نِعم ولم نقل له في كل استفتاء شعبي 99,9% نعم!

لم يحدث رغم أنف كل راوي التاريخ على هواه,ومحاولات تسمية الحقيقة بغيرمسماها هو مجرد هراء.
في مقابل ذلك الهراء, أرقام سجلتها التقاريرالعالمية والمحلية عن فقر وجوع ومرض, عن فيروسات استشرت وتأمين صحي لم يدعم فقراء بلد وأموال نهبت... الخ

نعم كنا نعيش مُستسلمين. كأنما لا حل.
يرى البعض أن ما حدث بعد 25 يناير مؤسف, وأكرر أنا ما كتبته في مستهل روايتي- "لا شيء يعود إلى سابق عهده"
لم نتقهقر للخلف كما يرى البعض, ولم تفشل انتفاضة جمعة الغضب.

لو أن يناير 2011 لم تفعل شيء سوى أن حطمت أكذوبة الخنوع الأبدي فهذا يكفي كبداية.

جيلي الذي لم يملك سوى رؤية نفس الوجوه ومعايشة نفس الحقائق لثلاثين عاما, هو ليس الجيل الذي عقبنا, جيل اليوم شهد انتخابات وتغيرات واختلافات في المنظور, وكل هذا أفضل من ركود عشناه نحن قبل 25.

ما حدث كانت نتيجة حتمية, لأننا سُلبنا آدميتنا واستشرى عطب الفساد فتدهور كل شيء.
وما أفسده عصر مبارك لن يُصلح ما بين يوم وليلة, وقد يتدهور لما هو أسوأ, وعندها ستحل نتيجة حتمية أخرى في يناير آخر.

أنا سعيدة أني عشت ما قبل 25 يناير وما بعد 25 يناير.

والمتحسر على مصر ما بعد الثورة باكيا على استقرار مزعوم, لم يعرف مصر بحق.
لم تخرب مصر بعد الثورة,مصر كانت خربانة بالفعل وتلك الحقيقة التي سيعمد البعض لإنكارها عند رواية التاريخ.
كل ما نعانيه اليوم لم يكن وليد أربع أعوام, بل هو حصاد عقود مرت علمونا فيها التعايش مع الخراب حتى صار جزء من واقعنا ففسدت معاييرنا. 

لقد ضربوا الأعور علي عين لم تُبصر أبدا, على الأقل من فقع تلك العين زال ملكه ورأيناه بالعين السليمة خلف القضبان! وهذا حدث لو تعلمون, عظيم.

لا شيء يعود إلى سابق عهده,  وقد عشنا يناير, كنتيجة حتمية لما سبق.

فليطلقوا ما يشاءون من أسماء على تلك المرحلة في تاريخ مصر,الحقيقة التي لن ينكرها أحد أن 25 يناير كان بداية نهاية عصر "مبارك" وهؤلاء الذين عاشوا عهد مبارك بحق سيباركون ذلك اليوم دائما وأبدا رغم أنف الكارهين.

Comments

Popular Posts