خراط البنات الذي يلزمنا بحش رقابهن






كأثر ارتعاشه ضوء فوق جسد صبية بكر يسلط فيلم Mustang الكاميرا على علاقة المرأة بجسدها، فينقل صورة سنيمائية مرهفة الحس تخطف زفرات قلب موجع على مصير خمس يتيمات، حكم عليهن القدر بجنسية شرقية الهوية.

بقرية نائية بتركيا، تدور أحداث الفيلم من خلال سرد أصغر الشقيقات الخمس اللواتي فقدن أبوهن صغارا وحملت الجدة عبء التربية، ومثلما تُعلمنا الموروثات الشعبية، فالبنات “هم” و” حِمل” ثقيل، وهذه هي القضية المحورية التي يناقشها الفيلم الذي أخرجته امرأة، فناقش تلك النظرة الشرقية للمرأة كجسد وشرف، وبكارة يجب أن تُصان حتى يتم تسليمها لرجل يفضها، فيصير الهم همه ويحمل هو عبء الشرف، وهي نظرة لم تزل سارية في مجتمعات ترفض معاملة المرأة كإنسان.



في تراثنا الشعبي أيضا تعبير “خراط البنات” إشارة إلى التحولات الجسدية التي تطرأ على المرأة عند البلوغ، فإذا ما أتى خراط البنات وطاب الجسد، تفتح فضول العقل وطالب بمتعة ذلك الجسد، وبدأت المعضلة التي تحكم النساء في مجتمعات تقمع المرأة باسم الشرف والأخلاق والدين الذي لطالما ارتكبت مذابح باسمه، رب العالمين عليها شهيد.

وبتلك المعضلة يمهد لك مفتتح الفيلم الحكاية, حيث البنات الخمس يلتقين شبابا بعد المدرسة ويلعبوا جميعا بالبحر, فتتحدث القرية عن فتيات يلاعبن الفتيان كي تحتك مواطن اللذة بالجسد الذكري من أجل المتعة, تثور الجدة وتضربهن, لا تفهم الصغرى التي لم تبلغ بعد, أسباب الجريمة, تتوالى الأحداث في الاتجاه المتوقع, الحل هو زواج البنات من أجل الستر، وهنا تظهر براعة مخرجة العمل Deniz Gamze Ergüven والتي شاركت أيضا في كتابته، فالفيلم إيقاعه سريع ويضرب على أكثر من وجع نسائي إنساني ويناقش أكثر من قضية خلال وقت قصير جدا، فمدة عرض الفيلم لا تبلغ الساعتين!


كالصراخ الذي يهتك ستر الصمت ويجبرك على التوقف، يُعد ذلك الفيلم التركي، الفرنسي، الألماني المشترك، كصراخ خمس فتيات لا صرخة واحدة، بخمس حكايات مختلفة، وإن وحدهن الإخوة والاشتراك بالمصير.

يناقش الفيلم، القهر المجتمعي للمرأة، قدرة الأسرة على هدر حقها بالتعليم واختيار من تتزوج، احتقار المجتمع الشرقي لحق المرأة في الحب، التحرش الجنسي بقاصر من عمها، حقيقة أن الحبس لا يمنع شخصا عن فعل ما يريد، وهم “البكارة” الذي لم تزل المجتمعات الشرقية تدور حول وثنه، عنف المرأة ضد المرأة بالمجتمع الشرقي، حيث الجدة تقود الفتيات لمصيرهن دون أدنى رحمة، قانعة أن هذا هو الصواب بمباركة كل الجارات!

قائمة طويلة تم دمجها بحرفية بقلب حكاية تتكرر تفاصيلها كل يوم في قرى بلاد مختلفة، بأرجاء منطقة تحمل أصولا شرقية، عربية أو مسلمة. فميز الفيلم إنسانية مشاهده وقربها للواقع، مثل مشهد الفتيات المحبوسات بالبيت خلف أسوار وقضبان قد دُقت من أجل الأسر، فتستخدم الفتيات خيالهن ويحولن كل شيء إلى وسيلة لعب، حتى المرتبة ما هي إلا بحر، يرتدين ملابس البحر للعوم به ويجدفن بالأذرع ليقاومن موجه، مشهد يذكرك بلهوك الطفولي البريء، وينقل لك قسوة التناقض بين طفولة الفتيات الحقيقية ونظرة مجتمع قذر ومريض لهن.



في مشهد آخر، التلفزيون بالخلفية ينقل حديث شيخ إسلامي عن طريقة معاملة المرأة، فيشير أن أصل البلاء هو كل تلك الأكاذيب التي أشاعوها باسم الله، أن المرأة يجب أن تُضرب أو تُلعن، كأنما الله قد أنزل الإسلام بالأرض من أجل حماية البشرية من شر المرأة، تلك التي جسدها ما هو إلا غواية وكلامها ما هو إلا خداع، وما بين ساقيها موطن الفُجر والفساد.


المرأة التي إن أتاها “خراط البنات” هيأها لأن تحمل سر الحياة فتصير أُما وخيرا وعمارا للأرض. اختار البعض نظرة مختلفة لهذا التحول الطبيعي من أجل دورة الحياة وتفننت بعض مجتمعات تلك الأرض العامرة في حش رقاب البنات، أو طمس هويتهن وإنسانيتهن، فلم تنتج تلك المجتمعات سوى أفرادا مشوهين ومرضى، لم تدفع بمجتمعاتها للأمام ولم تبلغ الطهر المزعوم ولا رسخت أسس الشرف، على العكس سارت إلى النتيجة الحتمية من انحدار، فلا تطبيق اعوجاج يؤدي أبدا إلى استقامة، والمرأة لم تخلق من ضلع معوج كما يقولون، لكن قطعا محاولة كسرها كسرت المجتمع بأسره.


استحق الفيلم ترشيحات وجوائز عدة في مهرجانات دولية، كان آخرها ترشحه عن جائزة أفضل فيلم أجنبي بالأوسكار، وهو يستحق المشاهدة لا فقط لأهمية القضية التي يناقشها، ولكن لأن الفيلم ممتع على المستوى الفني، سواء في ذكاء اختيار الكادرات وجمال الصورة، أو لبراعة تمثيل بطلاته اللواتي قدمن أداءا يستحق الإشادة، بدءا من كبراهن وحتى الصغرى التي يصاحبنا صوت سردها من بداية الفيلم وحتى نهايته المفتوحة على أمل ومصير مختلف لمن سيعيشون المستقبل.



Comments

Popular Posts