بلد المعلش






على صفحة (براين آدامز) الشخصية، وفيما يتعلق بالعلامة التي شوهت بها مصلحة الجمارك المصرية جيتاره الأثري، يكتب متعجبا “لم يكن هناك أي نوع من أنواع الاعتذار”!
وهو تعليق بديهي من رجل نشأ ببلد يؤمن بمبدأ الاعتراف بالخطأ، والاعتذار عنه ومحاولة تعويض المتضرر. ذلك المبدأ الذي لا ينطبق فقط على منظمات ومؤسسات الدولة الحكومية خارج مصر، ولكن يشمل أسس التعامل بين العملاء والجهات التجارية، سواء كانت تلك الجهة مطعم بيتزا أو شركة عالمية!

ابداء الأسف والاعتذار هو نوع من أنواع احترامك لحق الآخر، واعترافك به, ولقد ذكرني ذلك الموقف بمحاولاتي الطريفة لترجمة كلمة “معلش”. كمصرية أجبرت مؤخرا على الحديث بالإنجليزية فقط حتى في بيتي، يواجه عقلي تحدي محاولة ترجمة أفكاري بالعربية إلى أقرب معنى بالإنجليزية. أفكر دوما باللغة العربية أولا، مهما كانت لغة حديثي، وبين اختلافات اللغات تحدث مفارقات لطيفة وأتفوه أحيانا بتعبيرات غير منطقية لأن لساني ترجم ما خطر بعقلي، بشكل حرفي جامد دون مقاربة.

من التعبيرات التي درج لساني على ترديدها هي كلمة “معلش” تلك الكلمة التي نستخدمها أحيانا كإبداء الأسف لكن لا يمكن ترجمتها لـ “sorry”، لأنها لا تعني صيغة الاعتذار والندم. هي تصلح كاعتذار مائع دون أسف حقيقي، ولا فهم لأبعاد الضرر الواقع على صاحب الحق.

معلش” هي تعبير حائر بين الأسف و التهوين لعدم الاكتراث, أقرب معادل لها هو “never mind” ، يعني “ما تشغلش بالك” ، لكن يُقال إن أصل “معلش” بالعربية هو تحريف لاختصار قول “ما عليه شيء” ، وهي مقولة قد يستخدمها القاضي لتبرئة مذنب، أو قد يستخدمها العامة لإعفاء الحرج عن “مجنون” غير مسئول عن أفعاله.

قبل سفري للإقامة خارج مصر، كنت لم أزل حائرة في تفسير كل ما لا نرضاه لشعبنا ولا يرضاه إنسان حر ذو كرامة لدولته.  ذلك التردي الذي قد نفرد مقالات لوصفه دون أن نحيط أركانه على جميع المستويات، سواء الأخلاقية أو المهنية أو فيما يتعلق بالتنمية المحلية التي ما إن نخطو خطوة للأمام باتجاهها لا نلبث أن نتقهقر عشرة خطوات نحو ما يقابلها من انحدار.

كنت أسيرة إشكالية الطرف والطرف الآخر، فالشعب طرف والحكومة طرف آخر، المظلوم طرف والظالم طرف آخر، وتدعي الأسطورة أن الشعب المصري خانع بطبعه، منذ وقت الفراعنة وأنه صبور ويتحمل فساد طغاته بجلد!

عندما سافرت منذ أربعة أعوام، كانت معادلة الطرف والطرف الآخر في مصر تتغير بشكل جذري وحتمي، أثناء الثورة وما بعدها، ثم عندما وصل الإخوان المسلمون للحكم وتحولت الصراعات إلى “مع” و” ضد”.

لم يكن لي أبدا توجه سياسي محدد ولم أزل، لا مطلق عندي سوى اثنين، هما الله والموت، وكل ما عدا هذا قابل للتأويل والنقد، لذا فإن أي فكر أو رمز سياسي بعينه، أو لسياسة عامة ما هي إلا توجهات لا تناسب شخصا مثلي يؤمن بالفكر والمعرفة كأدوات لطرح الأسئلة لا لفرض أجوبة بعينها على أحد.

بذلك العقل المتسامح لأقصى حد ممكن، بدأت أرى مصر بشكل مختلف من الخارج، وبدت صراعات الأصدقاء بمصر حول الصواب والخطأ وما هو مفروض أن يكون وما حدث بالفعل، صراعات هدفها التبرير لا الحل، وشهدت بشكل متكرر وفي مواقف مختلفة استماتة كل طرف في الدفاع عن أخطاء فريقه دون حيادية على الإطلاق، وقد يتم التقليب فيما مضى ويكون خطأ سابق من الطرف المواجه في قائمة مبررات الشخص للدفاع عن الطرف الذي يؤمن أنه “ما عليه شيء”.
نعلم جميعا أنه إن كان هناك عطب أساسي قد اُبتلت به دولة مصر وأدى إلى كل ما تلاه من خراب، فهو مبدأ عدم محاسبة المخطئ مما أضاع هيبة القانون ونشر الفساد بشكل فج.

فلا عجب إن تشوه معيار الحكم على الأمور وصار حكما قاصرا وشخصيا، لا عاما وحياديا، لا عجب إن اختفي الاعتذار كفلسفة من قاموسنا، وحل مكانه المكابرة والتصميم الفاجر على إثبات صحة منظورنا، كيلا نعتذر ولا نندم ولا نقع في دائرة الإلزام بتصحيح الخطأ.

لقد اختلف منظوري فصرت أرى الحكومة كأفراد من الشعب ومن يرتشي ويتحرش ويلقي بالقمامة في عرض الطريق ويكسر إشارة المرور ومن لا يؤدي وظيفته هم مصريون من بيننا، ولم أعد أنظر للأمر على أنه طرف مقابل طرف آخر. ولا أنه اختيار واحد مقابل اختيار آخر، لقد مللت تلك الدوائر المفرغة، حيث فريق يلعن ذلك الوطن وينصحنا بالخروج منه كي نسلم، بينما فريق آخر يلتمس كل العذر لأبناء ذلك الوطن كأنهم مجرد رد فعل وكل ما يعانون منه لأن الأشرار قد أفسدوه!
وما يحدث ويستغربه أجنبي يحدث “علشان دي مصر” والموظف أخطأ لأنه جاهل ووضعه بمكانه خطأ من الأساس!

دعك من قصة جيتار براين آدمز، فهو ليس غرض كتابتي اليوم، لكن تلك القصة تعكس مفاهيم مصرية بدأت مؤخرا السوشيال ميديا في تغييرها، حيث بدأت المطاعم أو الشركات في احترام المستهلك، إن استخدم السوشيال ميديا لفضحهم، ثم سيمتد الأثر ليشمل دوائر أكبر، وقد أشهد في وقت بعمري، مصر كدولة تتبنى سياسة الاعتراف بالخطأ والاعتذار عنه ومحاولة تعويض المتضرر مهما صغر حجم هذا الضرر، وتختفي من العامية كلمة “معلش”، لأن الحقيقة أنه كان ولم يزل “علينا كل شيء”.. للأسف.



Comments

Popular Posts